الرأي المفيد

إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: لماذا يخسر العقل معركته أمام الشائعة؟

✍️ كتب: حاص

في كل مرة تنتشر فيها شائعة جديدة، يتكرر المشهد نفسه. عشرات الآلاف من المشاركات والتعليقات وإعادة النشر، قبل أن يتوقف أحد ليسأل: هل هذا الخبر صحيح أصلًا؟ المدهش أن كثيرًا من الشائعات لا تعتمد على أدلة قوية، بل أحيانًا تكون مجرد جملة مجهولة المصدر أو صورة قديمة أعيد استخدامها في سياق مختلف، ومع ذلك تجد طريقها بسرعة إلى عقول الناس.

السبب لا يعود فقط إلى طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي، بل إلى طبيعة الإنسان نفسه. فالعقل البشري يميل إلى تصديق ما ينسجم مع قناعاته المسبقة. عندما نقرأ معلومة تتفق مع ما نؤمن به، فإننا غالبًا لا نبذل الجهد الكافي للتحقق منها. نشعر بأنها منطقية، وبالتالي نتعامل معها باعتبارها حقيقة.

هناك أيضًا عامل السرعة. نحن نعيش في عصر لا ينتظر فيه أحد. الخبر الذي كان يستغرق يومًا كاملًا للانتشار أصبح يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق. وفي سباق السرعة هذا، تراجعت قيمة التحقق أمام رغبة السبق والمشاركة. كثيرون يفضلون أن يكونوا أول من ينشر المعلومة بدلًا من أن يكونوا أول من يتأكد من صحتها.

ومن المفارقات أن الشائعات غالبًا ما تكون أكثر إثارة من الحقائق. الحقيقة عادة هادئة ومتوازنة، أما الشائعة فتأتي محملة بالمبالغة والإثارة والعواطف القوية. ولهذا تجد من يتفاعل معها بسرعة أكبر. الإنسان بطبيعته ينجذب إلى ما يثير دهشته أو خوفه أو غضبه.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود الشائعة، فالشائعات وجدت منذ آلاف السنين، بل في استعدادنا لتصديقها دون تفكير. وهنا يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول. ليس المطلوب أن نشك في كل شيء، ولكن المطلوب أن نتعلم التوقف للحظة قبل الضغط على زر المشاركة.

ربما لو سأل كل منا نفسه ثلاثة أسئلة بسيطة قبل نشر أي معلومة: من المصدر؟ وما الدليل؟ وهل يمكن التحقق منها؟ لتغير المشهد كثيرًا، فالمجتمعات لا تتضرر فقط من الأخبار الكاذبة، بل من سرعة تداولها أيضًا.

في النهاية، الشائعة لا تنتصر بسبب قوتها، بل بسبب ضعف التدقيق أمامها. وكلما ارتفع مستوى الوعي، ضاقت المساحة التي تتحرك فيها الأكاذيب، وأصبح المجتمع أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى