الرأي المفيد

سلطنة عُمان.. الحياد الذي يربك الخرائط الكبرى.. بقلم | حسام السيسي

✍️ كتب: خاص

في لحظة إقليمية تتكاثر فيها المحاور، وتُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ والردع والطاقة، تبدو سلطنة عُمان وكأنها تسير بعكس التيار؛ لا ترفع صوتها، لا تدخل في صدامات إعلامية، ولا تنخرط في استعراضات القوة، لكنها في الوقت نفسه ترفض الذوبان داخل أي محور إقليمي مغلق.

وهنا تحديدًا تكمن عقدة واشنطن مع مسقط.

فالسلطنة، التي لطالما قُدمت باعتبارها “الدولة الهادئة” في الخليج، تحولت تدريجيًا إلى أحد أكثر النماذج إزعاجًا للمقاربات الأمريكية الجديدة في المنطقة، ليس بسبب امتلاكها مشروعًا تصادميًا، بل لأنها ترفض التخلي عن استقلالية قرارها الاستراتيجي.

وما يجري مع سلطنة عُمان لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تحدثنا عنه سابقًا حول دخول الخليج مرحلة “الحصار المزدوج”؛ أي إعادة تشكيل المنطقة عبر الضغط المتزامن على الأمن والطاقة والممرات البحرية والتحالفات السياسية في آن واحد.

فالضغوط التي تتعرض لها بعض العواصم الخليجية لم تعد مرتبطة فقط بإيران أو بمضيق هرمز، بل بمحاولة فرض نموذج أمني جديد يقوم على الاستقطاب الحاد، ودمج إسرائيل تدريجيًا داخل البنية الاستراتيجية للخليج، مع تقليص هامش الحركة المستقلة أمام الدول التي تفضل سياسات التوازن والتحوط.

ومن هنا تحديدًا يمكن فهم حساسية الموقف العُماني بالنسبة لواشنطن؛ لأن مسقط تمثل، بهدوئها التقليدي، نموذجًا مختلفًا عن منطق المحاور المغلقة. فهي لا تتعامل مع الخليج كساحة صدام دائم، بل كمنطقة تحتاج إلى إدارة توازنات تمنع الانفجار الكبير، وهو ما يجعلها أحيانًا أقرب إلى “العقدة الصامتة” داخل مشاريع إعادة هندسة الإقليم.

عُمان.. الجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها

لا يمكن فهم موقع سلطنة عُمان دون فهم جغرافيتها السياسية المعقدة.

فالسلطنة ليست مجرد دولة خليجية تقليدية، بل هي بوابة بحرية تتحكم مع إيران بالضفة الأهم من مضيق هرمز، أحد أخطر الشرايين الاستراتيجية في العالم. أي اضطراب واسع في هذا الممر لا يهدد الخليج وحده، بل ينعكس مباشرة على الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، وأسعار النفط، وحتى استقرار الاقتصاد الدولي.

لهذا تدرك الولايات المتحدة جيدًا أن أي هندسة أمنية طويلة المدى في الخليج لا يمكن أن تنجح دون انخراط عُماني فعّال.

لكن المشكلة أن مسقط لا تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها أداة ابتزاز سياسي، بل باعتبارها مسؤولية توازن.

وهنا يبدأ التناقض.

فالسياسة العُمانية التقليدية قامت لعقود على منع تحويل أراضيها أو مياهها إلى منصة صدام إقليمي، وهو ما جعلها تحافظ على علاقات مفتوحة مع الجميع تقريبًا؛ الخليج، إيران، واشنطن، وحتى القوى الآسيوية الصاعدة.

هذه المقاربة لا تنسجم بالكامل مع الرؤية الأمريكية الحالية، التي تميل إلى بناء نظام إقليمي أكثر استقطابًا، يقوم على فرز الحلفاء والخصوم بوضوح أكبر.

الحياد العُماني.. فلسفة بقاء لا مناورة مؤقتة

كثيرون يخطئون حين يقرأون الحياد العُماني باعتباره “ضعفًا” أو “ترددًا”.

في الحقيقة، ما تفعله مسقط أقرب إلى عقيدة استراتيجية متكاملة، تأسست على فهم عميق لطبيعة الخليج بوصفه مساحة هشّة لا تتحمل الحروب الطويلة أو الاستقطاب الحاد.

عُمان لا تؤمن بفكرة “الحسم الإقليمي” بقدر ما تؤمن بإدارة التوازنات ومنع الانفجار.

لهذا لعبت أدوار الوسيط الهادئ في ملفات معقدة عديدة، من الاتصالات الأمريكية الإيرانية، إلى محاولات تخفيف التوترات الإقليمية، دون أن تحاول تحويل الوساطة إلى مشروع هيمنة أو استعراض نفوذ.

لكن ما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره “ميزة دبلوماسية” بدأ يُقرأ داخل بعض الدوائر الغربية باعتباره عقبة أمام مشروع إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور أمني جديد تقوده واشنطن وتل أبيب.

صراع النماذج.. لا مجرد خلاف سياسي

الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بمضيق هرمز أو بالتطبيع أو بالعلاقة مع إيران.

ما يجري أعمق من ذلك بكثير.

نحن أمام صراع بين نموذجين لإدارة الشرق الأوسط:

النموذج الأول، تقوده واشنطن، ويسعى إلى دمج إسرائيل داخل المنظومة الأمنية والاقتصادية للمنطقة، وربط الاستقرار الخليجي بتحالفات دفاعية موحدة، مع إبقاء إيران في موقع العدو المعزول.

أما النموذج الثاني، الذي بدأت بعض دول المنطقة تميل إليه بدرجات متفاوتة، فيقوم على “التحوط الاستراتيجي”، وتخفيف الصدامات البينية، وفتح قنوات مع جميع القوى الدولية، بما فيها الصين وروسيا، دون القطيعة الكاملة مع الولايات المتحدة.

في هذا النموذج الثاني، تصبح عُمان لاعبًا طبيعيًا ومؤثرًا، لا بسبب قوتها العسكرية، بل بسبب قدرتها على الحركة بين المحاور دون الانفجار داخلها.

وهذا ما يجعلها مهمة… ومزعجة في الوقت نفسه.

الخليج يتغير.. وعُمان تقرأ المستقبل مبكرًا

التحولات الجارية في الخليج تكشف أن المنطقة لم تعد تتحرك بالعقلية نفسها التي حكمتها لعقود.

الحرب، وأزمات الطاقة، واضطراب الأسواق، وتراجع اليقين الأمريكي، دفعت العديد من العواصم الخليجية إلى تبني سياسات أكثر براغماتية ومرونة.

لم يعد الرهان المطلق على قوة واحدة خيارًا مضمونًا كما كان في السابق.

ومن هنا تبدو السياسة العُمانية وكأنها قراءة مبكرة لشكل الإقليم القادم، لا مجرد موقف ظرفي.

فمسقط تدرك أن العالم يتجه نحو تعددية أكثر تعقيدًا، وأن الخليج سيكون مضطرًا للتعايش مع توازنات جديدة، لا مع هيمنة منفردة.

هل تصبح عُمان مركز التوازن الجديد؟

السؤال الأهم ليس ما إذا كانت عُمان ستتعرض لضغوط، بل ما إذا كانت المنطقة نفسها تتجه نحو تبني النموذج العُماني بصورة أوسع.

أي: خفض التوتر بدلًا من التصعيد. إدارة التوازنات بدلًا من سياسة المحاور الحادة. تنويع الشراكات بدلًا من الارتهان الكامل. والبحث عن الاستقرار عبر البراغماتية لا عبر الاستقطاب.

لهذا قد تبدو مسقط اليوم أكثر أهمية مما تبدو عليه ظاهريًا.

فالدول الهادئة أحيانًا لا تصنع العناوين اليومية، لكنها تُعيد تشكيل الجغرافيا السياسية ببطء… وعمق.

وفي شرق أوسط يدخل مرحلة إعادة التموضع الكبرى، قد تتحول عُمان من “وسيط هادئ” إلى أحد أهم مفاتيح التوازن الإقليمي القادم.

حين تحدثنا سابقًا عن أن الخليج يواجه ما يمكن وصفه بـ”الحصار المزدوج”، لم يكن المقصود فقط الضغط على إيران أو إدارة التوترات البحرية، بل الإشارة إلى مسار أوسع تحاول من خلاله واشنطن إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية للخليج بالكامل؛ عبر التحكم بإيقاع الطاقة والممرات البحرية والتحالفات في آن واحد.

وفي هذا السياق تحديدًا يمكن فهم التصعيد والضغوط المرتبطة بسلطنة عُمان.

فالسلطنة لا تُربك بعض الدوائر الغربية لأنها قوة عسكرية صاعدة، بل لأنها تمثل نموذجًا مغايرًا لفكرة الاستقطاب الحاد التي يُراد تكريسها في المنطقة. عُمان تتحرك بمنطق “التوازن” لا بمنطق “المحور”، وتحاول إبقاء الخليج خارج معادلة الانفجار الشامل، وهو ما يتناقض مع الرؤية التي تقوم على إدارة المنطقة عبر التوتر الدائم وإعادة توزيع المخاوف.

من هنا تصبح أي ضغوط على مسقط جزءًا من المشهد الأوسع الذي تحدثنا عنه منذ فترة: محاولة إحكام القبضة على الخليج سياسيًا وأمنيًا، ودفعه تدريجيًا نحو خيارات أكثر التصاقًا بالمشروع الأمني الأمريكي-الإسرائيلي.

فالتحولات الأخيرة تكشف أن المسألة لم تعد مجرد مواجهة مع إيران، بل إعادة تعريف كاملة لفكرة الأمن الخليجي نفسها: من يحمي الخليج؟

ومن يحدد مصادر التهديد؟

وهل يصبح الاستقرار مرهونًا بالاندماج داخل منظومات صدام طويلة الأمد؟

عُمان تبدو متحفظة تجاه هذا المسار، لأنها تدرك بحكم الجغرافيا والخبرة أن الخليج لا يحتمل الدخول في حالة استنزاف مفتوحة، وأن أي انفجار واسع في مضيق هرمز لن يبقى محصورًا داخل الحسابات العسكرية، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي والطاقة والاستقرار الإقليمي بأكمله.

ولهذا فإن ما يبدو اليوم كأنه خلاف حول التموضع السياسي أو العلاقة مع إيران، هو في جوهره صراع بين رؤيتين للمنطقة: رؤية تقوم على إدارة الخليج عبر الاستقطاب والردع والتوتر المستمر، ورؤية أخرى تحاول الحفاظ على هامش من التوازن يمنع تحول الخليج إلى ساحة حرب دائمة.

ومن هنا تكتسب السياسة العُمانية أهميتها؛ ليس لأنها تملك مشروع مواجهة، بل لأنها ترفض الذوبان الكامل داخل مشروع “الحصار الإقليمي” الأشمل الذي تتشكل ملامحه تدريجيًا في المنطقة.

النظر إلى سلطنة عُمان باعتبارها مجرد “دولة حياد” يُفقد المشهد معناه الحقيقي. فمسقط لا تتحرك خارج التحولات الكبرى في الخليج، بل ربما تعكس بوضوح ما تحدثنا عنه منذ فترة حول دخول المنطقة مرحلة “التحوط الاستراتيجي” بدل الارتهان الكامل لمحاور الصدام.

فالضغوط المتزايدة على الخليج، ومحاولات إعادة هندسة المنظومة الأمنية للمنطقة وفق تصور أمريكي-إسرائيلي جديد، دفعت العديد من العواصم إلى البحث عن مساحة حركة أوسع، بعيدًا عن منطق الحرب المفتوحة أو الاصطفاف الحاد. وهنا تحديدًا تبرز عُمان بوصفها النموذج الأكثر هدوءًا… والأكثر تعبيرًا عن هذا التحول.

فالسلطنة تدرك أن الخليج لم يعد يحتمل إعادة إنتاج نماذج الاستنزاف القديمة، ولا تحويل المنطقة إلى ساحة صراع دائم بين مشاريع الهيمنة والاحتواء. لذلك حافظت على سياسة تقوم على إدارة التوازنات لا كسرها، وعلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، دون التخلي عن عمقها الخليجي أو علاقتها التقليدية بالغرب.

وهذا ما يجعلها مختلفة عن المقاربة التي تحاول دفع المنطقة نحو استقطاب أمني أكثر حدة، يقوم على دمج إسرائيل داخل البنية الأمنية الخليجية، وربط الاستقرار بمنظومات ردع وصدام طويلة المدى. فبينما تحتاج بعض المشاريع الإقليمية إلى بيئة توتر مستمرة لتبرير حضورها، تحتاج دول الخليج عمليًا إلى خفض مستوى الانفجار للحفاظ على استقرارها الاقتصادي والسياسي.

من هنا يمكن فهم الحذر العُماني لا باعتباره عزلة، بل كقراءة مبكرة لطبيعة المرحلة القادمة؛ مرحلة لن يكون فيها الرهان على طرف واحد كافيًا، ولن تنجح فيها سياسات “الحصار المزدوج” أو إدارة الاستنزاف المفتوح دون ارتدادات خطيرة على الخليج نفسه.

ولهذا يبدو أن ما يحدث اليوم ليس خروجًا عن السياق الذي تحدثنا عنه سابقًا، بل تأكيدًا له بصورة أكثر وضوحًا:

الخليج يتجه تدريجيًا نحو البحث عن توازنات أكثر مرونة، فيما تصبح الدول القادرة على الحركة بين المحاور، لا داخل محور واحد فقط، أكثر أهمية في معادلة الإقليم القادمة.

وفي هذا المشهد، تبدو عُمان أقل صخبًا من الآخرين… لكنها ربما من أكثرهم فهمًا لشكل الشرق الأوسط الذي يتشكل ببطء تحت سطح العواصف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى