✍️ كتب: مروان يسري
يشهد العالم في المرحلة الراهنة تصاعدًا ملحوظًا في حدة التوترات الدولية، وسط مشهد تتداخل فيه المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، ما يضع النظام الدولي أمام اختبارات معقدة تتجاوز الأزمات التقليدية. هذا التصعيد لا ينفصل عن تحولات أعمق في موازين القوى، ولا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العالمي الأوسع.
السؤال المطروح لم يعد فقط: لماذا يتصاعد التوتر؟ بل إلى أي مدى يمكن احتواؤه دون الانزلاق إلى مواجهات أوسع.
ما الذي يدفع نحو التصعيد؟
تعود أسباب التصعيد الدولي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها:
-
صراع النفوذ بين القوى الكبرى في مناطق استراتيجية
-
تآكل الثقة في آليات الردع التقليدية
-
تصاعد الأزمات الاقتصادية وتأثيرها على القرار السياسي
-
استخدام الملفات الأمنية كورقة ضغط تفاوضية
ويرى محللون أن العالم يشهد انتقالًا تدريجيًا من مرحلة الاستقرار النسبي إلى مرحلة إدارة الأزمات المزمنة، حيث يصبح التوتر جزءًا من المشهد وليس استثناءً.
الأبعاد الاقتصادية للصراع
التوترات الدولية لم تعد محصورة في المجال العسكري، بل تمتد بقوة إلى الاقتصاد العالمي. العقوبات، والحروب التجارية، واضطراب سلاسل الإمداد، جميعها أدوات تُستخدم في إطار الصراع دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة.
هذه الضغوط الاقتصادية تزيد من تعقيد المشهد، إذ تؤثر على حياة الشعوب، وتدفع بعض الدول إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا دفاعًا عن استقرارها الداخلي.
هل ما زالت أدوات الاحتواء فعالة؟
الاحتواء كان لعقود أحد أعمدة السياسة الدولية، لكنه اليوم يواجه تحديات متزايدة. فالتعددية القطبية، وظهور قوى إقليمية فاعلة، وتراجع تأثير المؤسسات الدولية، كلها عوامل تقلل من قدرة طرف واحد أو تحالف محدد على فرض الاستقرار.
ومع ذلك، لا تزال الدبلوماسية، والوساطات الإقليمية، وقنوات الاتصال غير المعلنة تلعب دورًا مهمًا في منع الانفجار الشامل، حتى وإن بدا تأثيرها محدودًا في بعض الملفات.
الخطوط الحمراء وحدود المواجهة
رغم التصعيد، تظل هناك خطوط حمراء غير معلنة تحكم سلوك الأطراف المتصارعة. هذه الخطوط تتمثل في تجنب الصدام المباشر بين القوى الكبرى، والحرص على إبقاء الصراع ضمن نطاق يمكن التحكم فيه.
خبراء يشيرون إلى أن كثيرًا من التحركات العسكرية أو السياسية تحمل طابع الرسائل المحسوبة أكثر من كونها خطوات نحو حرب شاملة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المرحلة القادمة مرشحة لأحد مسارين رئيسيين:
-
استمرار التوتر عند مستويات مرتفعة دون انفجار، مع تبادل الضغوط والرسائل
-
أو انتقال بعض الأزمات من حالة الاحتواء إلى التصعيد المفتوح في حال فشل القنوات الدبلوماسية
الترجيح بين هذين المسارين يعتمد على قدرة الأطراف الدولية على موازنة المصالح مع كلفة المواجهة.
قراءة أخيرة
التوترات الدولية الراهنة تعكس عالمًا يعيد ترتيب أوراقه، حيث لم تعد القواعد القديمة كافية لضبط الإيقاع العالمي. وبين التصعيد والاحتواء، تتحرك الدول بحذر، مدفوعة بحسابات معقدة لا تسمح بخيارات سهلة.
وفي النهاية، يظل مستقبل الاستقرار الدولي مرهونًا بمدى قدرة القوى الكبرى على إدارة خلافاتها دون تحويلها إلى صراعات مفتوحة، في عالم بات أكثر تشابكًا وأقل قابلية لتحمل الصدمات الكبرى.








