د. أحمد السيد يكتب: متى تتحول إدارة الموارد البشرية إلى عبء؟

لا توجد شركة محترفة تستطيع الاستغناء عن وظيفة الموارد البشرية. لكن وجود إدارة تحمل هذا الاسم لا يعني بالضرورة أنها تضيف قيمة. أحيانًا تتحول الموارد البشرية، من دون قصد، من جهة تساعد المؤسسة على استخدام رأس مالها البشري بكفاءة إلى طبقة إضافية من الإجراءات والموافقات والنماذج.
العلامة الأولى تظهر حين تصبح الإدارة منشغلة بما يسهل قياسه بدل ما يستحق القياس. عدد الدورات، نسبة الحضور، عدد السير الذاتية التي تمت مراجعتها، زمن إغلاق الوظائف، عدد النماذج المكتملة. كل هذه مؤشرات يمكن أن تكون مفيدة، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة الأصعب: هل نوظف الأشخاص المناسبين؟ هل المديرون قادرون على إدارة فرقهم؟ هل نحتفظ بالكفاءات؟ هل التدريب غيّر الأداء؟ وهل الهيكل يساعد الاستراتيجية أم يعطلها؟
الموارد البشرية تصبح عبئًا عندما تتحول إلى شرطة داخلية لا شريك أعمال. حين يكون دورها الأساسي هو إخبار الموظف بما لا يمكن فعله، بدل مساعدته على فهم ما يمكن فعله بطريقة صحيحة. وحين يكون المدير مضطرًا إلى المرور عبر سلسلة طويلة من الموافقات لتعيين شخص يحتاجه فعلًا، أو لتعديل وضع وظيفي واضح، فالمشكلة لم تعد في الالتزام؛ بل في تصميم العملية نفسها.
هناك أيضًا خطأ آخر: محاولة امتلاك كل شيء. بعض إدارات الموارد البشرية تتعامل مع إدارة الموظفين كما لو كانت مسؤوليتها وحدها. بينما الحقيقة أن المدير المباشر هو المسؤول الأول عن أداء فريقه، وتطوير أفراده، وتقديم التغذية الراجعة، وحل مشكلات العمل اليومية. دور الموارد البشرية أن تبني النظام، وتقدم الأدوات، وتضمن العدالة، وتدعم القرار، لا أن تحل محل المدير في إدارته.
وفي المقابل، هناك إدارات تقع في الفخ العكسي، فتتحول إلى مكتب خدمات إدارية فقط: عقود، إجازات، تأمينات، حضور، رواتب. هذه وظائف مهمة، لكنها ليست كل الوظيفة. إذا لم تكن الموارد البشرية حاضرة عند مناقشة النمو، وإعادة الهيكلة، وتعاقب القيادات، وتكلفة الدوران الوظيفي، وبناء القدرات المستقبلية، فهي بعيدة عن المنطقة التي تصنع فيها القيمة الحقيقية.
القيمة الحقيقية تبدأ حين تفهم الموارد البشرية اقتصاديات الشركة، لا الموظفين فقط. تعرف أين تحقق المؤسسة أرباحها، وما الوظائف الحرجة، وما المهارات التي ستحتاجها بعد عامين، وما الإدارات التي ترتفع فيها تكلفة الأخطاء أو الاستقالات. عندها يصبح قرار التوظيف قرارًا استثماريًا، والتدريب تدخلًا مرتبطًا بنتيجة، والتقييم أداة لتحسين الأداء لا موسمًا سنويًا للتوتر.
ليس المطلوب أن تصبح الموارد البشرية أكثر تعقيدًا، بل أكثر صلة بالعمل. إدارة جيدة قد تبسط عشر خطوات إلى ثلاث، وتلغي نموذجًا لا يستخدمه أحد، وتمنع توظيفًا متسرعًا، وتكشف مديرًا يخسر أفضل موظفيه، وتساعد قيادة الشركة على رؤية فجوة مهارات قبل أن تتحول إلى أزمة.
لذلك، تتحول إدارة الموارد البشرية إلى عبء عندما تنجح في حماية الإجراءات وتفشل في حماية قدرة المؤسسة. وحين يصبح رضا النظام أهم من جودة القرار. أما حين تكون قريبة من الواقع، مسلحة بالبيانات، فاهمة للعمل، وقادرة على قول نعم بشروط واضحة كما تقول لا عند الضرورة، فإنها لا تكون إدارة مساندة فقط؛ بل جزءًا من البنية التي تجعل الشركة قابلة للنمو.








