الرأي المفيد

إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: معول ضياء العوضي

✍️ كتب: الرفاعي عيد

بعد صمتٍ طال طويلًا، قررت أخيرًا أن أتخلى عن المنطقة الباردة… منطقة الحياد، ليس لأني أبحث عن اصطفاف، ولا لأنني أهوى الدخول إلى المعارك، ولكن لإيماني أن قصة الدكتور الراحل ضياء العوضي تجاوزت حدود الجدل العابر، وتحولت من حدثٍ مؤقت إلى حكاية سوف تتوارثها الأجيال، لأنها ببساطة لم تعد مرتبطة بشخصه، بل بفكرة كاملة هزّت منطقة ظلت ساكنة لعقود طويلة.

ما يحدث في تقديري ليس مجرد سجال عابر داخل الوسط الطبي، بل صدام واضح بين فكرتين؛ بين عالم قديم اعتاد أن يحافظ على بقاء المسافات والحواجز، وأن يظل الطب محاطًا بهيبته التقليدية وجدرانه العالية، وبين نموذج مختلف قرر أن يقترب من الناس أكثر مما اعتاده الجميع.

ولعل مصطلح “شعبنة الطب” — وهو التعبير الذي ارتبط بالطبيب الراحل ضياء العوضي — لم يكن مجرد عبارة عابرة، بقدر ما كان مشروعًا كاملًا لإعادة تعريف العلاقة بين الطبيب والمريض، ومحاولة جريئة لكسر الصورة القديمة للطبيب البعيد خلف الجدران العالية والمصطلحات المعقدة.

لقد حاول الرجل أن يجعل الطب أقرب إلى الناس، وأكثر فهمًا للبسطاء الذين كانوا يشعرون دائمًا أن هذا العالم مغلق أمامهم إلا عبر أبواب الخوف والرهبة والتكاليف الباهظة.

وهنا تحديدًا بدأت المعركة.. فكل منظومة قديمة تُصاب بالقلق حين يظهر من يحاول تغيير قواعدها، وكل مصالح مستقرة تخشى دائمًا من أي نموذج جديد يهدد شكل النفوذ المعتاد أو يعيد توزيع التأثير داخل المشهد.

ولسنوات طويلة، تشكلت حول الطب — كغيره من المجالات — شبكات معقدة من المصالح الاقتصادية والصور الذهنية والسلطات التقليدية؛ شركات أدوية، وأسواق ضخمة، وأسماء اعتادت البقاء فوق المنصات العالية، واقتصادات كاملة لا ترى في الاقتراب الزائد من الناس أمرًا مريحًا أو مأمون النتائج.

لذلك لم يكن غريبًا أن تتعدد الجبهات في مواجهة ضياء العوضي، لأن الرجل لم يقترب فقط من الناس، بل اقترب أيضًا من مناطق حساسة ظلت لعقود طويلة محاطة بأسوار كثيفة يحرسها ما يمكن تسميتهم “كهنة المعبد القديم”.

لكن ما لم ينتبه إليه كثيرون، أن معول التغيير الذي حمله الرجل كان أثقل مما توقعوا، وأن الأفكار حين تجد طريقها إلى قلوب البسطاء، تصبح أكثر قدرة على البقاء من كل الجدران العالية.

وربما كانت المشكلة الحقيقية أن تأثيره تجاوز حدود العيادة والشاشة، ووصل مباشرة إلى وعي البسطاء، فالرجل لم يكن يقدم نفسه باعتباره طبيبًا يتحدث من برج مرتفع، بل كإنسان يحاول أن يفهم مخاوف الناس ويخاطبهم بلغتهم، وهو ما منح قطاعًا واسعًا شعورًا نادرًا بأن الطب يمكن أن يكون أقرب وأكثر رحمة وأقل قسوة.

ولهذا أحبه كثيرون… وخاف منه كثيرون أيضًا.
فالناس بطبيعتها لا تتعلق فقط بمن يملك المعرفة، بل بمن يمنحها الإحساس بالأمان، ولا تنحاز دائمًا إلى الأكثر تعقيدًا، بل إلى من يشعرها أنه جزء منها، يشبهها، ويتحدث إليها لا فوقها.

وربما لهذا السبب تحديدًا تحولت قصة ضياء العوضي إلى ما هو أكبر من مجرد خلاف مهني أو حالة جدل إعلامي، لأنها مست شيئًا عميقًا داخل المجتمع نفسه؛ الصراع القديم بين النخبوية والشعبية، بين من يريدون إبقاء المعرفة داخل الأسوار، ومن يؤمنون أن القيمة الحقيقية لأي علم تبدأ حين يصل إلى الناس ويخفف عنهم خوفهم ووحدتهم.

وفي كل عصر، يوجد من يظنون أن الجدران العالية كافية لحماية النفوذ القديم، وأن الناس ستظل دائمًا بعيدة خلف الأبواب المغلقة، لكن التاريخ كثيرًا ما يثبت أن الأفكار التي تلامس القلوب تكون أقوى من أي أسوار، وأن التغيير يبدأ غالبًا من شخص يقرر فقط أن يقترب من الناس أكثر من المعتاد.

قد يختلف البعض حول التجربة، وقد تتباين القراءات والمواقف، لكن ما لا يمكن إنكاره أن ضياء العوضي ترك أثرًا يتجاوز حدود المهنة نفسها، وأن حضوره لم يكن عابرًا كما ظن البعض، بل كان علامة على تحول اجتماعي كامل سوف يظل حاضرًا طويلًا في ذاكرة الناس.

وفي النهاية… ربما لا يتذكر التاريخ كثيرًا أولئك الذين حافظوا على الجدران، لكنه يتذكر دائمًا من امتلكوا الجرأة على فتح الأبواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى