الإسلام المفيد

حكم معاشرة الزوجة بالإكراه في ضوء فتاوى دار الإفتاء

✍️ كتب: نوران هشام

تُعد العلاقة الزوجية من أعمق الروابط الإنسانية التي تجمع بين الرجل والمرأة، وهي ليست مجرد علاقة جسدية، بل علاقة مودة ورحمة وأمان نفسي. وقد وضع الإسلام أسسًا واضحة لتنظيمها، حتى تكون في إطار الاحترام، والمودة، والمحبة، والرضا.


ومع ذلك، يطرح كثير من الناس سؤالًا حساسًا ومهمًا: ما حكم معاشرة الزوجة بالإكراه؟ وهل يحق للزوج أن يجبر الزوجة على العلاقة الزوجية وقتما يشاء؟ وهل يُعد هذا من حقوقه أم يُعد ظلمًا وإساءة؟

هذا المقال يقدم طرحًا شرعيًا واضحًا، يستند إلى الفقه الإسلامي وآراء العلماء المعتبرين، ويشرح أسباب تحريم الإكراه، وآثاره النفسية، وأهمية الموافقة، ويدعو إلى العلاقة التي تقوم على الرضا المشترك لا الإكراه.


العلاقة الزوجية في الإسلام… مودة لا إكراه

أول ما يجب فهمه أن الإسلام بنى العلاقة الزوجية على أساسين:

المودة: مشاعر المحبة والاقتراب.
الرحمة: الرفق واللين في التعامل، خصوصًا عند التعب والضغط.

وقال تعالى:
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»
[الروم: 21]

هذه الآية تجعل من السكن والطمأنينة أساس العلاقة الزوجية.
أما الإكراه فهو نقيض السكن، ونقيض الرحمة.


هل يجوز للزوج إجبار الزوجة على العلاقة؟ (الحكم الشرعي التفصيلي)

أولًا: إجبار الزوجة على العلاقة بالإكراه الصريح حرام شرعًا

اتفق كبار العلماء المعاصرين، ومنهم دار الإفتاء المصرية، واللجنة الدائمة، وعلماء الأزهر، ومراجع الفقه الإسلامي، أن إكراه الزوجة على العلاقة يُعد اعتداءً وليس حقًا.

ومن أقوال العلماء:
– قالت دار الإفتاء: «لا يجوز للزوج أن يكره زوجته على الوطء، لأن ذلك اعتداء يخالف المعاشرة بالمعروف.»
– وقال الفقهاء: «المعاشرة واجبة بالمعروف، والإكراه ينافي المعروف.»

بل قال بعض العلماء إن هذا الفعل قد يصل لدرجة الحرمة الشديدة لأنه يشبه الاعتداء الذي نهى الشرع عنه.


ثانيًا: العلاقة الزوجية حق مشترك وليس حقًا منفردًا للزوج

بعض الناس يعتقد أن الزوج «له الحق المطلق»، وهذا غير صحيح.

العلاقة مسؤولية مشتركة للزوجين، ويجب أن تتم برضا الطرفين، ولا يجوز الذهاب إليها كنوع من الإجبار أو الانتقام أو السيطرة.


اقرأ أيضًا:كيفية تقوية العلاقة الزوجية.. دليلك لبناء زواج مستقر وعلاقة صحية

ليه بعض الزوجات بتتعلق بولادها تعلق مرضي؟ الأسباب النفسية الكاملة
(ضع رابط المقال)


ثالثًا: الشرع يرفض الضرر مهما كان السبب

قال رسول الله ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار»
وهو حديث عظيم يُعد قاعدة شرعية عامة.

إذا كانت العلاقة تسبب ضررًا نفسيًا أو بدنيًا للزوجة، أو تُطلب في وقت مرض، أو تعب شديد، أو نزيف… فإن الزوج يجب أن يمتنع، وأي إصرار منه يُعد ضررًا محرّمًا.


أنواع الإكراه في العلاقة الزوجية

ليس الإكراه نوعًا واحدًا، بل له صور متعددة، كلها محرّمة:

1) الإكراه الجسدي المباشر

مثل:
– إجبار الزوجة بالقوة
– منعها من الرفض
– استخدام العنف
وهذا أشد أنواع التحريم.

2) الإكراه النفسي

مثل:
– التهديد
– الغضب المتعمد
– الهجر بدون سبب
– الضغط العاطفي
وهذا محرم لأنه يدخل في باب الإيذاء.

3) الإكراه عبر الإهانة

مثل:
– السخرية من الزوجة
– إلقاء اللوم
– استخدام كلمات جارحة
وهو محرّم ومخالف للأخلاق.


لماذا حرم الشرع إكراه الزوجة على العلاقة؟

1) لأن العلاقة يجب أن تكون قائمة على الرضا

العلاقة الجسدية دون رضا تتحول إلى اعتداء، وليس علاقة زوجية.

2) لأن الإكراه يدمر الثقة بين الزوجين

الثقة تُبنى على الاحترام، والإكراه يهدم هذا الاحترام.

3) لأن الإكراه يؤدي لأضرار نفسية شديدة

منها:
– صدمة نفسية
– نفور دائم
– اكتئاب
– خوف داخلي
– فقدان الأمان والاستقرار

4) لأن الإكراه ضد طبيعة العلاقة التي أرادها الإسلام

الله جعل العلاقة الزوجية سكنًا ورحمة… لا يمكن أن يكون الإكراه جزءًا من السكن.


هل يُعد رفض الزوجة نوعًا من العصيان؟

هذا سؤال يتكرر كثيرًا.

الجواب: ليس كل رفضٍ عصيانًا.

هناك حالات يكون فيها الرفض «حقًا شرعيًا» للزوجة، مثل:
– التعب
– المرض
– الحيض
– النفاس
– الألم
– الظروف النفسية القاسية
– وجود خلاف حاد
– عدم الشعور بالأمان

والرسول ﷺ نفسه كان رقيقًا مع زوجاته، ولم يُنقل عنه أنه استخدم الإكراه أبدًا.


ماذا يفعل الزوج إذا رفضت الزوجة العلاقة؟

الحل ليس الإكراه… بل الحوار.

خطوات التعامل الشرعي:

  1. التحدث بهدوء

  2. محاولة فهم السبب

  3. تقديم الدعم العاطفي

  4. الانتظار حتى تهدأ الزوجة

  5. إزالة أسباب الخلاف

  6. التعاون بين الزوجين لإشباع الاحتياجات بطرق رحيمة ومتفاهمة

الإسلام يدعو دائمًا للحكمة لا الإكراه.


علامات تدل على أن العلاقة تتحول إلى «إكراه دون قصد»

هناك ممارسات قد لا ينتبه الزوج أنها مؤذية:

– أن يطلب العلاقة في وقت غير مناسب
– أن يضغط نفسيًا على الزوجة
– أن يتجاهل ألمها
– أن يطلب العلاقة رغم وجود مشكلة صحية
– أن يتعامل ببرود بعد الرفض
– أن يستخدم الغضب أو العتاب كسلاح

هذه كلها صور من الضغط النفسي الذي يرفضه الشرع.


رأي علم النفس في الإكراه داخل العلاقة الزوجية

علم النفس يؤكد أن العلاقة الجسدية يجب أن تكون على رضا كامل، لأن:

– الإكراه يسبب اضطرابًا نفسيًا
– يجعل الزوجة تنفر من العلاقة
– يؤدي لصدمة جسدية ونفسية
– يُفقد العلاقة معناها العاطفي

كما أن المرأة بطبيعتها تحتاج إلى أمان نفسي قبل العلاقة، والإكراه يقتل هذا الإحساس تمامًا.


اقرأ أيضًا: نقطة واحدة تكفي لحدوث حمل..رحلة البويضة والحيوان المنوي 

التعافي النفسي… كيف تعيد بناء روحك بعد الصدمات؟
(ضع الرابط)


متى يكون للزوجة الحق في رفض العلاقة دون أي ذنب؟

هناك حالات يكون فيها الرفض ضروريًا:

1) إذا كانت مريضة

2) في حال الشعور بألم شديد

3) أثناء الحيض

4) بعد الولادة

5) عند التعب البدني

6) عند وجود مشكلة زوجية حادة

7) عند الخوف أو الضغط النفسي

الشرع يعطي الزوجة الحق في الرفض في هذه الحالات.


واجبات الزوج تجاه زوجته في العلاقة

الإسلام وضع للزوج حقوقًا، وللزوجة حقوقًا.
من واجبات الزوج:

– مراعاة مشاعر الزوجة
– اختيار الوقت المناسب
– اللطف أثناء العلاقة
– احترام الحدود
– عدم الإيذاء
– فهم حاجة الزوجة للتهيئة النفسية
– تقديم العاطفة والحنان قبل العلاقة

العلاقة ليست واجبًا جسديًا فقط… بل مشاركة روحية.


واجبات الزوجة تجاه زوجها في العلاقة

والشرع أيضًا يريد للزوجة:

– عدم الهجر بدون سبب
– تقدير حاجة الزوج
– محاولة التوفيق بين الراحة والعلاقة
– اللطف والتعاون
– التواصل بوضوح عند وجود مشكلة

هذا التعاون يحفظ العلاقة من أي توتر.


الفرق بين «الحق الزوجي» و«الإكراه»

بعض الناس يخلطون بينهما:

الحق الزوجي: يتم برضا الطرفين وبالمعروف.
الإكراه: يتم بالقوة أو الضغط أو التهديد.

وبالتالي:
لا يجوز استخدام مصطلح «الحق الزوجي» لتبرير إيذاء الزوجة.


هل يجوز للزوج استخدام العنف الخفيف أثناء العلاقة؟

الجواب: لا يجوز إذا كان يسبب ألمًا أو خوفًا أو إيذاءً.
الشرع واضح في رفض كل ما يؤدي إلى ضرر.


كيف تعالج الزوجة آثار العلاقة بالإكراه؟

إذا حدث وأُجبرت الزوجة — لا قدر الله — يجب:

– التوقف عن الإكراه فورًا
– الحديث بصراحة
– زيارة طبيب نفسي أو شرعي إذا لزم
– الدعم العاطفي للزوجة
– التوبة من هذا الفعل الذي لا يقبله الشرع


الإكراه في العلاقة الزوجية قد يدمر الزواج

من آثاره:

– انهيار الثقة
– نفور المرأة
– ضعف الرغبة
– كراهية العلاقة
– فقدان السكن والمودة
– مشاكل مستمرة
– احتمال طلب الانفصال

العلاقة الزوجية أكبر بكثير من مجرد علاقة جسدية… هي علاقة روح بروح.


الأسئلة الشائعة حول حكم معاشرة الزوجة بالإكراه

هل يجوز شرعًا إجبار الزوجة على العلاقة؟
لا، وهو حرام شرعًا ويُعد اعتداءً.

هل يعتبر رفض الزوجة دائمًا ذنبًا؟
لا، هناك حالات كثيرة يكون الرفض فيها حقًا مشروعًا.

هل يجب على الزوج سؤال الزوجة قبل العلاقة؟
نعم، على الأقل مراعاة جاهزيتها النفسية والبدنية.

هل الإكراه يؤثر على العلاقة الزوجية؟
نعم، يسبب أذى نفسي شديد ويفسد المودة.

هل الشرع يحمّل الزوجة مسؤولية إرضاء الزوج مهما كان؟
لا، الشرع يوازن بين الحقوق ويرفض الضرر.

هل يجوز طلب العلاقة أثناء المرض؟
لا يجوز إذا كان الأمر يسبب ألمًا أو ضررًا للزوجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى