للنساء فقط

ليس مجرد مزاج.. دليلك لفهم اكتئاب ما قبل الدورة الشهرية وطرق التخلص منه نهائياً

✍️ كتب: نور الدين خالد

منذ عقود، كانت الأعراض النفسية والجسدية التي تسبق الدورة الشهرية تُصنف ببساطة على أنها “متلازمة ما قبل الدورة” أو PMS، وغالباً ما يتم تقليلها إلى مجرد “مزاج متقلب” أو “توتر طبيعي”.

لكن الأبحاث الحديثة كشفت عن حالة أكثر خطورة وتعقيداً تؤثر على ملايين النساء حول العالم: اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي PMDD، وهو شكل شديد من أشكال اكتئاب ما قبل الدورة يحتاج إلى فهم أعمق وعلاج مناسب.

*تشير الإحصائيات إلى أن ما يقارب 3-8% من النساء في سن الإنجاب يعانين من اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي*

الفرق الحاسم: متى يتحول “المزاج السيء” إلى اضطراب نفسي؟

اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي PMDD ليس مجرد نسخة مبالغ فيها من متلازمة ما قبل الدورة الشهرية التقليدية. بينما تعاني حوالي 75% من النساء من بعض أعراض PMS الخفيفة، فإن PMDD يؤثر على حوالي 3-8% منهن، ويتميز بأعراض نفسية شديدة تعطل الحياة اليومية بشكل كبير.

الدكتورة سميرة الخالد، استشارية الطب النفسي والعلاقات الأسرية، توضح: “الفرق الجوهري بين PMS وPMDD يكمن في شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة. النساء اللواتي يعانين من PMDD قد يشعرن بأنهن شخص مختلف تماماً خلال الأسبوع أو الأسبوعين السابقين للدورة، مع أعراض تشمل نوبات هلع، أفكار انتحارية، انفعالات شديدة، وانعدام التمتع بأي نشاط”.

الأعراض: أكثر من مجرد حزن عابر

أعراض PMDD تظهر عادةً خلال الأسبوع الذي يسبق الدورة الشهرية وتختفي بعد بداية النزيف. وتشمل:

الأعراض النفسية والعاطفية:

  • نوبات حزن شديدة أو يأس مع بكاء متكرر

  • توتر أو قلق شديد

  • تقلبات مزاجية حادة مع نوبات غضب

  • تهيج مستمر ونزاعات في العلاقات

  • فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة

  • صعوبة في التركيز

  • إرهاق وتعب شديد

  • اضطرابات في الشهية (نهم تناول الطعام أو فقدان الشهية)

  • اضطرابات النوم (أرق أو نوم مفرط)

  • شعور بالخروج عن السيطرة

  • أفكار انتحارية في الحالات الشديدة

الأعراض الجسدية:

  • ألم في الثديين

  • صداع نصفي أو صداع شديد

  • آلام المفاصل أو العضلات

  • انتفاخ البطن

  • زيادة الوزن بسبب احتباس السوائل

الأسباب العلمية: ما الذي يحدث في الجسم؟

على عكس الاعتقاد الشائع، PMDD ليس مجرد خلل هرموني، بل هو حساسية غير طبيعية للتغيرات الهرمونية الطبيعية التي تحدث خلال الدورة الشهرية.

الدكتور أحمد مراد، أخصائي الغدد الصماء، يشرح: “خلال الدورة الشهرية، تتقلب مستويات هرموني الإستروجين والبروجستيرون. لدى النساء المصابات بـPMDD، يستجيب الدماغ لهذه التقلبات بشكل مختلف. هناك أدلة تشير إلى أن الناقل العصبي السيروتونين، المسؤول عن المزاج والنوم والشهية، يتأثر سلباً بهذه التغيرات الهرمونية”.

الدراسات الحديثة تشير أيضاً إلى عوامل وراثية، حيث وجد أن حوالي 30-40% من النساء المصابات بـPMDD لديهن قريبات يعانين من الحالة نفسها. كما أن النساء اللواتي لديهن تاريخ من الاكتئاب أو اضطرابات القلق أكثر عرضة للإصابة بـPMDD.

التشخيص: متى يجب طلب المساعدة المتخصصة؟

لا يوجد اختبار مخبري محدد لتشخيص PMDD. يعتمد التشخيص على تتبع الأعراض لدورتين شهريتين متتاليتين على الأقل باستخدام مذكرات أو تطبيقات متخصصة.

معايير التشخيص تشمل:

  • وجود خمسة أعراض على الأقل من الأعراض النفسية والجسدية

  • أن تظهر الأعراض خلال الأسبوع السابق للدورة وتتحسن خلال أيام قليلة من بدايتها

  • أن تختفي الأعراض تماماً بعد انتهاء الدورة

  • أن تؤثر الأعراض بشكل كبير على العمل، المدرسة، الأنشطة الاجتماعية، أو العلاقات

  • ألا تكون الأعراض مجرد تفاقم لحالة نفسية أخرى موجودة مسبقاً

خيارات العلاج: من التعديلات الغذائية إلى العلاج الدوائي

1. تغييرات نمط الحياة:

  • التمارين الرياضية المنتظمة: خاصة التمارين الهوائية التي تزيد من إفراز الإندورفين

  • التغذية المتوازنة: تقليل الملح، السكر، الكافيين، والكحول

  • تقنيات إدارة التوتر: اليوغا، التأمل، التنفس العميق

  • النوم المنتظم: 7-9 ساعات ليلاً

2. العلاجات الدوائية:

  • مضادات الاكتئاب SSRI: مثل فلوكستين، سيرترالين، باروكستين

  • حبوب منع الحمل الهرمونية: خاصة تلك التي توقف التبويض

  • مكملات غذائية: كالسيوم، فيتامين B6، مغنيسيوم

  • مسكنات الألم: لمكافحة الأعراض الجسدية

3. العلاجات النفسية:

  • العلاج المعرفي السلوكي CBT

  • العلاج بالتقبل والالتزام ACT

  • مجموعات الدعم والعلاج الجماعي

قصص حقيقية: أصوات من قلب المعاناة

سارة، 32 سنة، مصممة جرافيك: “كنت أشعر أنني أفقد عقلي كل شهر. أسبوع قبل الدورة، أصبح شخصاً آخر: غاضبة، باكية، ميؤوسة. كان يؤثر على عملي وعلاقتي بزوجي. بعد سنوات من المعاناة، شُخصت بـPMDD والعلاج غير حياتي”.

منى، 28 سنة، معلمة: “ظننت أنني مجنونة. كل شهر كنت أعتقد أن مشاكلي لا تحل وأن حياتي كارثة، ثم بعد الدورة أستيقظ وأتعجب كيف كنت أفكر بهذه السوداوية. معرفة أن هذه حالة طبية وليس عيباً في شخصيتي كان تحرراً”.

التحديات المجتمعية: وصمة العار وعدم الفهم

رغم التقدم العلمي، لا تزال النساء المصابات بـPMDD يواجهن تحديات مجتمعية كبيرة. الدكتورة فاطمة العلي، أستاذة علم الاجتماع، تعلق: “المجتمع ما زال يقلل من شأن هذه الحالة، ويعتبرها مجرد ‘مزاج نسائي’ أو ‘ضعف شخصية’. هذا الموقف يزيد من معاناة النساء ويؤخر حصولهن على العلاج المناسب”.

وتضيف: “النساء أنفسهن قد يترددن في طلب المساعدة خوفاً من أن يتم وصمهن أو اعتبارهن ‘غير مستقرات عاطفياً’. التعليم والتوعية ضروريان لتغيير هذه الصور النمطية”.

نصائح عملية للتعامل مع PMDD في الحياة اليومية

للنساء المصابات:

  • تتبع دوراتك وأعراضك باستمرار

  • خطط مسبقاً لفترة ما قبل الدورة (خففي الالتزامات خلالها)

  • تواصلي مع المقربين حول حالتك

  • لا تترددي في طلب المساعدة المتخصصة

  • انضمي لمجموعات دعم عبر الإنترنت أو شخصياً

للأهل والأصدقاء والشركاء:

  • تعلم عن الحالة وفهم طبيعتها

  • تجنب التعليقات التي تقلل من المعاناة (“إنها مجرد دورة”)

  • قدم الدعم العملي والعاطفي

  • شجع على طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة

  • كن صبوراً خلال الأوقات الصعبة

الدعم الاجتماعي والعائلي يلعب دوراً حاسماً في مساعدة النساء المصابات باضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي

الأمل في الأفق: تطورات مستقبلية في العلاج

البحث العلمي حول PMDD مستمر، مع تطورات واعدة في عدة مجالات:

  • أدوية جديدة: تستهدف بشكل أكثر تحديداً الاستجابة الدماغية للتغيرات الهرمونية

  • العلاجات الهرمونية الموجهة: مثل ناهضات الهرمون المطلق لموجهة الغدد التناسلية

  • الطب الشخصي: تكييف العلاج بناءً على التركيب الجيني الفردي

  • التطبيقات الرقمية: لتتبع الأعراض وإدارة العلاج

خاتمة: نحو فهم أعمق وعلاج أكثر فعالية

اكتئاب ما قبل الدورة الشهرية، خاصة في شكله الشديد PMDD، ليس خيالاً ولا ضعفاً في الشخصية، بل حالة طبية حقيقية تستحق الاهتمام والعلاج المناسب. الاعتراف بهذه الحالة وفهمها هو الخطوة الأولى نحو تخفيف المعاناة التي تمر بها ملايين النساء كل شهر.

العلاج الناجح ممكن، ويتطلب غالباً مزيجاً من التدخلات الطبية، النفسية، والتغييرات في نمط الحياة. الأهم من ذلك، يحتاج المجتمع إلى التخلص من الصور النمطية والوصم المرتبط بهذه الحالة، وخلق بيئة داعمة تمكن النساء من طلب المساحة التي يحتجنها دون خجل أو خوف.

مع التقدم الطبي المستمر، تتحسن خيارات العلاج وتزداد فعاليتها في إدارة اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي

المراجع والمصادر:

  • الجمعية الأمريكية للطب النفسي (الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس DSM-5)

  • الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد

  • منظمة الصحة العالمية

  • دراسات منشورة في مجلات طبية محكمة

  • مقابلات مع أخصائيين في الطب النفسي والغدد الصماء

ملاحظة: هذا المقال يهدف للتوعية ولا يُعتبر بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة. إذا كنت تعانين من أعراض تشبه تلك المذكورة، ننصحك بمراجعة طبيب مختص للتشخيص والعلاج المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى