تقارير

العالم بلا شرطي… كيف تُدار الحروب اليوم دون قواعد أو محاسبة؟

✍️ كتب: الرفاعي عيد

لم يعد إعلان الحرب شرطًا لاندلاعها، ولا القرارات الدولية كافية لإيقافها، في عالمٍ تتراجع فيه القوى الكبرى عن أدوارها، تُدار الصراعات بلا رادع، وتُكتب القواعد أثناء النزاع لا قبله.

الآن لم يعد العالم كما عرفه الجميع بعد الحرب العالمية الثانية؛ قواعد ثابتة، تحالفات واضحة، ومؤسسات دولية يُفترض أنها تردع الفوضى وتضبط الصراعات.. اليوم، تبدو هذه الصورة وكأنها تتآكل بهدوء، دون ضجيج أو إعلان رسمي، في مشهد يصفه بعض الخبراء بـ«الانهيار الهادئ للنظام الدولي».

نظام بلا قوة ضابطة

لسنوات طويلة، لعبت الولايات المتحدة دور «شرطي العالم»، سواء بالردع العسكري أو النفوذ السياسي والاقتصادي. غير أن هذا الدور شهد تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، مع تصاعد النزعة الانعزالية، وتراجع الاستعداد لتحمل كلفة التدخلات الخارجية، سياسيًا واقتصاديًا وبشريًا.

هذا التراجع لم يُقابَل بظهور قوة بديلة قادرة على ملء الفراغ؛ فالصين تركز على مصالحها الاقتصادية ونفوذها الإقليمي، وروسيا منشغلة بصراعات مباشرة، بينما تعاني أوروبا من انقسامات داخلية وأزمات طاقة وأمن.

النتيجة: فراغ دولي واسع، تُدار فيه الأزمات دون مرجعية حاسمة أو قواعد ملزمة.

الأمم المتحدة… مؤسسة عاجزة أم شاهد صامت؟

في قلب هذا المشهد، تقف الأمم المتحدة، التي تأسست لمنع تكرار مآسي الحروب الكبرى، عاجزة عن فرض قراراتها أو حماية السلم الدولي. مجلس الأمن، المشلول بفعل «الفيتو» وتضارب مصالح القوى الكبرى، بات أقرب إلى ساحة صراع دبلوماسي منه إلى أداة لحل النزاعات.

أزمات كبرى مثل السودان، غزة، أوكرانيا، واليمن كشفت حدود الدور الأممي، حيث تتحول بيانات الإدانة والمناشدات الإنسانية إلى بديل عن الفعل السياسي الحقيقي، بينما تستمر الحروب على الأرض دون رادع.

حروب منسية في ظل الفوضى

في عالم بلا شرطي، لا تحظى كل الأزمات بالاهتمام نفسه. فبينما تتصدر بعض الصراعات عناوين الأخبار، تنزلق أخرى إلى الظل، رغم كلفتها الإنسانية الهائلة.

في السودان، على سبيل المثال، تدور حرب مدمرة دون ضغط دولي حاسم لوقفها. وفي مناطق إفريقية أخرى، تُدار النزاعات بعيدًا عن عدسات الإعلام العالمي، في غياب أي تدخل فعّال، ما يطرح تساؤلات حول عدالة النظام الدولي وانتقائيته.

من يملأ الفراغ؟

غياب القوة الضابطة لا يعني فراغًا كاملًا، بل إعادة توزيع للأدوار بطرق أكثر خطورة:

  • الميليشيات والجماعات المسلحة باتت تملأ الفراغ الأمني في دول منهكة.

  • شركات السلاح تستفيد من تصاعد الطلب على التسلح في ظل انعدام الاستقرار.

  • تحالفات مؤقتة تُبنى على المصالح لا القيم، وتنهار عند أول اختبار.

هذا الواقع يعيد للأذهان مشاهد ما قبل الحرب العالمية الأولى، حين تداخلت المصالح والتحالفات الهشة، وانتهى الأمر بانفجار شامل.

هل نحن أمام نظام عالمي جديد؟

يرى بعض المحللين أن ما يحدث ليس انهيارًا بقدر ما هو «تحول مؤلم» نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. غير أن غياب قواعد واضحة لهذا النظام الجديد يجعل المرحلة الانتقالية شديدة الخطورة، حيث تختلط القوة بالقانون، والمصلحة بالمبدأ.

في هذا السياق، تتحول الدول الصغيرة والضعيفة إلى ساحات صراع بالوكالة، بينما تُدار الأزمات الكبرى بمنطق إدارة الخسائر لا حل المشكلات.

المواطن يدفع الثمن

في نهاية المطاف، لا يدفع ثمن هذا الانهيار الهادئ صناع القرار، بل الشعوب. ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، موجات الهجرة، وانعدام الأمن، كلها نتائج مباشرة لعالم بلا مرجعية ضابطة.

ومع تراجع الثقة في النظام الدولي، تتزايد النزعات القومية والشعبوية، ما يهدد بمزيد من الانقسامات والصدامات.

إلى أين يتجه العالم؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: هل انهار النظام الدولي؟
بل: هل يملك العالم رفاهية ترك هذا الانهيار يستمر دون بديل واضح؟

في ظل غياب الإجابة، يبدو أن العالم دخل مرحلة «اللايقين الاستراتيجي»، حيث تُكتب القواعد أثناء اللعب، وتُدار الأزمات بردود فعل لا برؤى بعيدة المدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى