الرفاعي عيد يكتب:أمريكا على حافة إيران
لم تكن المفاجأة الكبرى في هذه المواجهة الدائرة الآن بين إيران وقطبي الشر في العالم ، أن الأخيرة ردّت، بل أنها ردّت وهي تحت النار، وتماسكت وهي في قلب العاصفة، وأظهرت من الصلابة ما لم يكن حاضرًا بهذا الوضوح في كثير من التقديرات الأمريكية والإسرائيلية لسنوات طويلة.
لقد جرى دائمًا تقديم إيران باعتبارها دولة يمكن إنهاكها بالتدرج، وخنقها بالعقوبات، ودفعها في اللحظة الحاسمة إلى التراجع أو الارتباك أو الانكفاء.. لكن ما كشفته هذه الجولة أن الصورة أبعد كثيرًا من هذا التبسيط الزائف السخيف.
فالدولة التي ظن خصومها أنها أُنهكت بما يكفي لتفقد توازنها، ظهرت قادرة على امتصاص الضربة، واستيعاب الصدمة، ثم الرد بما يكفي لإرباك المشهد كله.
هنا بالضبط تكمن قيمة المفاجأة الإيرانية، فلم تكن في مجرد إطلاق النار، ولا في مجرد إظهار القدرة العسكرية، بل في الطريقة التي أدارت بها لحظة الاختبار الصعب في مواجهة أعتى وأغبى القدرات العسكرية في العالم.
ففي الحروب الكبرى، لا تكفي القدرة على الضرب، بل تصبح القدرة على البقاء جزءًا من القوة، والقدرة على مواصلة الرد جزءًا من الردع، والقدرة على منع الخصم من الشعور بالحسم جزءًا من النصر السياسي والمعنوي.
والحقيقة الثابتة للجميع أن إيران، في هذه المواجهة، لم تتصرف كطرف يبحث عن رد رمزي يحفظ ماء الوجه، بل كطرف يريد أن يقول إن كلفته لم تنكسر، وإن قراره لم يتفكك، وإن قدرته على الفعل لم تُشل كما كان يُراد لها أن تكون.
لقد بنت واشنطن وتل أبيب، لسنوات طويلة، جزءًا مهمًا من قراءتهما لإيران على فرضية ضمنية مفادها أن الضغط المتراكم سيؤدي في النهاية إلى تليين الإرادة، أو إضعاف البنية، أو تقليص القدرة على المواجهة الفعلية.
لكن ما حدث أن إيران مفاجاة كبرى، بدت في لحظة الامتحان، أكثر تماسكًا مما توقع كثيرون، وأكثر قدرة على الاحتمال مما راهن عليه خصومها، وأكثر إصرارًا على تحويل الصمود نفسه إلى عنصر من عناصر القوة أبهر الجميع.
الرفاعي عيد يكتب: هل يستعيد «الأزهري» دور الأوقاف
وهنا وبعد الواقع الجديد، لم يعد السؤال متعلقًا بحجم الترسانة فقط، ولا بنوعية السلاح فقط، بل بطبيعة الدولة نفسها، ما مدى قدرتها على التحمل؟ وما مدى استعدادها للدفع؟ وما حجم النفس الذي تملكه حين تدخل مواجهة طويلة ومعقدة؟
ذلك أن الحروب، في النهاية، ليست منافسات ميكانيكية بين أسلحة متقابلة، بل اختبارات مركبة للإرادة والانضباط والصبر وحسن إدارة الوقت، فقد تمتلك دولة ما تفوقًا ناريًا ساحقًا، لكنها إذا كانت عاجزة عن تحويله إلى حسم سياسي واضح، أو إذا كان خصمها قادرًا على امتصاصه وإعادة إنتاج الرد بعده، فإن ميزان القوة نفسه يصبح أكثر تعقيدًا مما توحي به الخرائط العسكرية المجردة.
وهذا بحق ما فجرته إيران في هذه الجولة تحديدًا.. لقد دفعت خصومها إلى مواجهة حقيقة مزعجة، من منطق أن التفوق لا يعني دائمًا السيطرة، وأن شدة الضربة لا تضمن بالضرورة انهيار الخصم، وأن الحرب قد تتحول من مشروع كسر سريع إلى مسار استنزاف ثقيل ومفتوح على كل الخيارات.
ولعل أخطر ما كشفته هذه المواجهة أن إيران لم تعتمد فقط على ما تملكه من أدوات قتالية، بل على ما هو أعمق من ذلك، فاستحضرت بنية صبر سياسي وعسكري تراكَمت عبر سنوات طويلة من الحصار والضغط والتوتر والتهديد.
ومن الواضح أن إيران دخلت هذه المواجهة بعقلية من يعرف أن النجاة من الضربة جزء من المعركة، وأن الاستمرار بعدها ليس تفصيلًا، بل هو قلب المعركة نفسه..وهذا هو السبب في أن ما جرى لم يكن مجرد مشهد عسكري، بل حدثًا سياسيًا ونفسيًا بامتياز.
وعلى الجانب الآخر من المواجهة تري إسرائيل وأمريكا، لا تخشيان فقط قدرة الخصم على الرد، بل تخشيان أيضًا قدرته على كسر التوقعات التي بُنيت عليهما خططهما، وذلك حين تراهن على أن الطرف المقابل سيرتبك، ثم يكتشفا أنه لم يرتبك.
ومن هنا نفهم معنى العنوان بدقة”أمريكا على حافة إيران”، فالمسألة لم تعد أن إيران محاصرة داخل زاوية ضيقة كما كان يُخيّل لكثيرين، بل إن الولايات المتحدة نفسها باتت تقف أمام خصم لا تستطيع تجاهله، ولا تستطيع الاستهانة بقدرته على إطالة أمد المواجهة، ولا تضمن أن كسره مهمة سهلة أو منخفضة الكلفة.
أمريكا ومعها شيطانها الأكبر قادران، بلا شك، على الضرب والتدمير ورفع مستوى الضغط، لكنهما في المقابل يعرفان أن التورط في مسار واسع ومفتوح مع إيران ليس نزهة استراتيجية، وأن أي خطوة غير محسوبة قد توسع دائرة النار إلى ما هو أبعد من حدود المواجهة المباشرة.
الرفاعي عيد يكتب: «حمار الوزير»
أما الكيان المتغطرس تحديدًا، فإن هذه الحرب مست قلبًا حساسًا في عقيدته الأمنية “صورة الردع”، فإسرائيل لا تقوم قوتها فقط على ما تملكه من سلاح، بل أيضًا على الصورة الذهنية التي تريد ترسيخها عن نفسها في الإقليم: أنها تضرب وتفرض الإيقاع وتبقي خصومها في موقع التلقي.. لكن حين يثبت الخصم أنه قادر على الصمود، وقادر على الرد، وقادر على جعل الحسابات أكثر ارتباكًا، فإن هذه الصورة لا تنهار بالضرورة، لكنها تتعرض لاهتزاز واضح.
وهذا النوع من الاهتزاز لا يُقاس فقط بالخسائر المباشرة، بل بالأثر التراكمي على ثقة المؤسسة الأمنية، وعلى نظرة الداخل، وعلى موقع الردع في الإقليم ككل.
وأخيرًا.. فإن الحديث عن هذه الجولة لا ينبغي أن يُختزل في لغة الانتصار والهزيمة المباشرة، فالمسألة ليست أن إيران حسمت المعركة، ولا أن أمريكا وإسرائيل فقدتا القدرة أو المبادرة، بل أن إيران نجحت في فرض حقيقة استراتيجية جديدة، وهى أنها أصعب مما تصوروا، وأصلب مما قدّروا، وأقدر على تحويل الصمود إلى قوة مما افترضت حساباتهم، وهذه الحقيقة وحدها كافية لإحداث تغيير عميق في طريقة النظر إلى المرحلة المقبلة.