د. أحمد السيد يكتب: الموظف لا يترك الشركة بل يترك مديره

هناك جملة تتردد كثيرًا في دوائر الإدارة والموارد البشرية: الموظف لا يترك الشركة، بل يترك مديره. قد تبدو العبارة مبالغًا فيها إذا أخذناها حرفيًا، فقرارات الاستقالة تتأثر بالراتب، وفرص النمو، وظروف السوق، والموقع، وطبيعة العمل. لكن خلف هذه الجملة حقيقة لا ينبغي الاستهانة بها: المدير المباشر هو الوجه اليومي للمؤسسة في حياة الموظف.
الموظف قد لا يقابل الرئيس التنفيذي إلا مرة في العام، وقد لا يعرف أعضاء مجلس الإدارة أصلًا، لكنه يتعامل مع مديره كل يوم. من هذا الشخص يتلقى التقدير أو التجاهل، ومنه يفهم حدود الثقة، وعنده تتشكل تجربته مع العدالة، ومن خلاله يعرف هل الخطأ فرصة للتعلم أم بداية لعقاب طويل. لذلك، يمكن لإدارة عليا أن تضع سياسات ممتازة، ثم يهدمها مدير واحد بأسلوبه في التعامل.
أحيانًا لا يطرد المدير موظفيه بطريقة مباشرة؛ هو يدفعهم إلى الخروج ببطء. يفعل ذلك حين يقلل من كل إنجاز، أو يحتكر المعلومات، أو يغير التعليمات ثم يحاسب على النسخة القديمة منها. يفعل ذلك حين يمنح الفرص للأقرب لا للأقدر، وحين يحول الاجتماعات إلى ساحات لإثبات السلطة، وحين يصبح مزاجه الشخصي معيارًا لراحة الفريق أو توتره.
المشكلة أن بعض المديرين يظنون أن القسوة هي القيادة، وأن الصوت المرتفع دليل حسم، وأن مراقبة كل تفصيلة نوع من الحرص. هذا النمط قد يحقق طاعة مؤقتة، لكنه لا يبني فريقًا. الموظف الخائف قد ينفذ المطلوب، لكنه لن يخاطر بفكرة جديدة، ولن يخبر مديره بالحقيقة مبكرًا، ولن يتحمل مسؤولية إضافية إذا كان يعرف أن النجاح سينسب إلى المدير بينما الخطأ سيظل باسمه.
المدير الجيد لا يحتاج إلى أن يكون صديقًا لموظفيه، ولا إلى أن يرضي الجميع. دوره أصعب من ذلك. عليه أن يكون واضحًا، عادلًا، قادرًا على اتخاذ قرار غير مريح من دون إذلال أحد، وقادرًا أيضًا على الاعتراف بخطئه عندما يخطئ. الاحترام لا يتعارض مع المحاسبة، بل يجعلها أكثر شرعية.
وحين تتكرر الاستقالات داخل فريق بعينه، من الخطأ أن نبحث كل مرة عن تفسير فردي. قد يكون موظف رحل من أجل زيادة راتب، وآخر انتقل إلى شركة أكبر، وثالث قال إنه يريد تحديًا جديدًا. لكن تكرار الرحيل تحت المدير نفسه يستحق نظرة أعمق. البيانات هنا لا تتهم أحدًا، لكنها تنبه المؤسسة إلى نمط.
الشركات التي تنفق أموالًا كبيرة على برامج الاحتفاظ بالمواهب، ثم تترك المديرين من دون تدريب حقيقي على إدارة الناس، تبدأ العلاج من المكان الخطأ. الوجبات المجانية والمكافآت والأنشطة الاجتماعية لن تعوض موظفًا يشعر كل صباح أنه يعمل تحت قيادة لا تثق فيه أو لا تحترمه.
ولذلك أرى أن أي استراتيجية جادة للاحتفاظ بالكفاءات يجب أن تبدأ من جودة الإدارة المباشرة. لأن الموظف يستطيع احتمال يوم صعب، أو مشروع مرهق، أو حتى فترة ضغط، لكنه يصعب أن يحتمل طويلًا مديرًا يجعله يشعر أنه أصغر من قدرته وأقل من قيمته. وفي النهاية، قد يكتب في خطاب الاستقالة أسبابًا كثيرة، لكن السبب الحقيقي يكون أحيانًا شخصًا واحدًا يجلس على المكتب المقابل.








