إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب:خالد منتصر و مقال مليء بالمغالطات
بقلم الرفاعي عيد

✍️ كتب: الرفاعي عيد
قرأت مقال الدكتور خالد منتصر المنشور في جريدة المصري اليوم – النسخة الورقية، العدد رقم 8001 والذي نشر على الموقع الإلكتروني للجريدة بتاريخ الإثنين 11 مايو 2026.
وبصراحة شديدة، كان المقال مليئًا بالقفزات الغير المنطقية، ناهيك عن محاولات خلط الأمور ببعضها، فقد حمل كمًا كبيرًا من المغالطات والتناقضات الفكرية، وجميعها اتسم بشروع متعمد وواضح في خلط المفاهيم، بصورة تستحق التوقف والتفنيد، خاصة أن الكاتب لم يناقش الفكرة بقدر ما حاول توجيه القارئ إلى نتيجة مسبقة، نعم نتيجة تقوم على أن “العلم” وحده هو المساحة المسموح فيها بالعقل، بينما الدين مجرد منطقة للإيمان الأعمى والتسليم بلا تفكير، وهو الامر الذي انكره بعد ذلك.
وهنا تحديدًا تظهر المشكلة .. أول ما يلفت الانتباه أن خالد منتصر حاول تصوير أي انتقاد للمشايخ أو التراث باعتباره “شجاعة فكرية”، بينما أي تشكيك في بعض الطروحات الطبية أو المنظومة العلمية يصبح فورًا جريمة ضد العقل والإنسانية، وهنا يظهر التناقض بوضوح؛ فالرجل يرفض “تقديس الأشخاص” دينيًا، لكنه في الوقت نفسه يمنح حصانة شبه مقدسة للمنظومة الفكرية التي يتبناها.
خالد منتصر يقول بوضوح إن: “الطب Science والدين knowledge”، وكأن الطب حقيقة مطلقة لا تقبل إلا التسليم، بينما الدين مجرد تراكمات بشرية قابلة للهدم وإعادة الصياغة حسب المزاج الفكري السائد.
المشكلة إن المقارنة نفسها ليست مستقيمة منذ البداية.. لأن الدين عند الناس مش مجرد روايات تراثية كما يود البعض تصويره، فهو ليس كتاب حكايات شعبية أو روايات تراثية، بل منظومة عقيدة وتشريع وأخلاق وهوية حضارية، لها أدواتها الخاصة في الفهم والاستدلال، كما أن العلوم الإنسانية والفلسفات الكبرى نفسها لا تُقاس دائمًا بمنطق المعمل والتجربة.
ثم ينتقل خالد منتصر إلى مغالطة أخرى حين يقول إن الدين يقوم على “الإيمان واليقين والتصديق الذى لا تساوره ذرة شك حتى ولو بدون دليل”، وكأن التاريخ الإسلامي كان خاليًا من الاجتهاد والمناظرات والمدارس الفكرية والفلسفية والكلامية!
إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: هل نحن حقًا أحرار ؟
فهل نسي الكاتب أن التراث الإسلامي نفسه شهد خلافات واسعة بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة؟ وهل تجاهل أن القرآن نفسه دعا للتفكر والتدبر والنظر وإعمال العقل في عشرات الآيات؟
الحقيقة أن اختزال الدين في “العنعنة والقصص” ليس نقدًا علميًا، بل سخرية خطابية تهدف للتقليل من قيمة المخالف، أكثر من كونها نقاشًا معرفيًا حقيقيًا.
والأخطر أن خالد منتصر يكرر دائمًا فكرة أن “العلم يصحح نفسه”، وكأن ذلك يمنحه قداسة خاصة، بينما يتجاهل أن هذا “التصحيح” جاء أحيانًا بعد كوارث إنسانية وتجارب طبية فاشلة وأدوية سُحبت من الأسواق بعد سنوات من اعتمادها رسميًا.
فالطب علم عظيم بلا شك، لكن تاريخه ليس ملائكيًا كما يحاول البعض تصويره، والمنظومة الطبية العالمية نفسها ليست بعيدة عن تأثيرات السياسة ورأس المال وشركات الدواء العملاقة.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين أمرين: بين رفض الدجل الطبي والعبث بصحة الناس، وهو أمر يتفق عليه الجميع، وبين تحويل “العلم” إلى سلطة فكرية تحتكر الحقيقة وتمنع أي نقاش أو مساءلة.
فلا أحد يختلف على خطورة منع مريض السكر من الإنسولين دون أساس طبي، لكن استخدام هذه النقطة للقفز إلى مهاجمة الدين والتراث الإسلامي هو خلط متعمد بين قضية طبية وقضية فكرية.
ثم إن خالد منتصر يقع في مغالطة أخرى حين يقارن بين نقد البخاري أو ابن تيمية أو الشعراوي، وبين شخص يمنع العلاج عن المرضى. فهذه مقارنة غير مستقيمة منطقيًا؛ لأن النقاش الفكري حول التراث شيء، والخطأ الطبي المؤدي للضرر أو الوفاة شيء مختلف تمامًا.
لكن يبدو أن الكاتب حاول توظيف القضية طبيًا لصناعة انطباع نفسي لدى القارئ، يوحي بأن كل من يختلف مع خطابه يقف تلقائيًا في مواجهة العلم وحياة الناس، وهي طريقة قديمة في الجدل، تربط الخصم بالخطر قبل مناقشة فكرته أصلًا، فيتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى محاكمة معنوية للطرف الآخر.
وبالاضافة لما سبق، فالمقال حمل نبرة استعلائية واضحة، قسمت المجتمع إلى فئتين: فئة “المستنيرين” الذين يملكون وحدهم حق التفكير، وفئة أخرى غارقة في “الخرافة” و”الجهل” و”العنعنة”.
وهذه اللغة لا تصنع حوارًا، بل تصنع احتقانًا فكريًا وثقافيًا، لأن احترام العقل لا يكون باحتقار معتقدات الناس أو السخرية من تراثهم.
إن الدفاع عن العلم لا يحتاج إلى معركة مع الدين، كما أن احترام الدين لا يعني رفض الطب أو إنكار البحث العلمي، لكن بعض الكُتّاب ما زالوا يصرون على تقديم العلاقة بين الطرفين باعتبارها معركة صفرية، رغم أن العالم نفسه تجاوز هذا الخطاب منذ سنوات طويلة.
وفي النهاية، تبقى المشكلة الأساسية في مقال خالد منتصر أنه لم يناقش حدود النقد بقدر ما حاول احتكار تعريف “العقل” نفسه، فجعل من يوافقه “مستنيرًا”، ومن يخالفه أسيرًا للخرافة.
بينما الحقيقة الأبسط أن العقل الحقيقي لا يعرف التقديس الأعمى، لا للأشخاص، ولا للمؤسسات، ولا حتى للأفكار التي يروّج لها بعض من يتحدثون باسم “التنوير”.

