فجوة تمويل التجارة العالمية عند 2.5 تريليون دولار .. ما الذي يعيق حركة التجارة والنمو؟

قد يبدو الرقم مجرد إحصاء ضخم، لكنه في الحقيقة يعكس أزمة حقيقية تضرب قلب الاقتصاد العالمي.
فجوة تمويل التجارة العالمية التي وصلت إلى نحو 2.5 تريليون دولار باتت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه حركة التجارة الدولية، وتهدد بتباطؤ أوسع في النمو الاقتصادي، خاصة في الدول النامية والأسواق الناشئة.
هذه الفجوة تعني ببساطة أن الطلب على تمويل الصفقات التجارية يفوق بكثير ما تستطيع البنوك والمؤسسات المالية توفيره، ما يضع آلاف الشركات أمام عائق يمنعها من الاستيراد أو التصدير أو حتى الاستمرار في العمل.
ما المقصود بتمويل التجارة؟
تمويل التجارة هو العمود الفقري لحركة الاستيراد والتصدير عالميًا.
يشمل ذلك الاعتمادات المستندية، وخطابات الضمان، والقروض قصيرة الأجل التي تتيح للشركات إتمام صفقاتها بثقة وأمان.
عندما يتراجع هذا النوع من التمويل، تتعطل سلاسل الإمداد، وتتأخر الشحنات، وترتفع التكاليف، وهو ما ينعكس في النهاية على الأسعار والنمو وفرص العمل.
لماذا اتسعت الفجوة إلى هذا الحد؟
يشير خبراء إلى عدة أسباب رئيسية وراء اتساع فجوة تمويل التجارة خلال السنوات الأخيرة، في مقدمتها تشديد البنوك لشروط الإقراض، خاصة بعد الأزمات المالية المتكررة وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا جعل التمويل أكثر تكلفة، ودفع العديد من البنوك إلى تقليص تعرضها للتمويل التجاري، باعتباره نشاطًا عالي المخاطر مقارنة بعوائده.
إلى جانب ذلك، تلعب القوانين التنظيمية الصارمة دورًا كبيرًا، إذ تفرض على البنوك متطلبات رأسمالية معقدة تجعل تمويل التجارة أقل جاذبية، خصوصًا في الأسواق الناشئة.
من الأكثر تضررًا؟
الدول النامية والشركات الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تأثرًا بهذه الفجوة.
فهذه الكيانات غالبًا ما تفتقر إلى الضمانات القوية أو التصنيفات الائتمانية المرتفعة، ما يجعل حصولها على التمويل أكثر صعوبة.
وبحسب تقارير دولية، فإن نسبة كبيرة من طلبات تمويل التجارة المقدمة من الشركات الصغيرة يتم رفضها، وهو ما يحد من قدرتها على التوسع أو حتى الاستمرار، ويؤثر بشكل مباشر على معدلات التوظيف والنمو.
تأثير مباشر على سلاسل الإمداد
اتساع فجوة التمويل لا يقتصر أثره على الشركات وحدها، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية.
تعثر صفقة واحدة قد يؤدي إلى تأخير إنتاج، أو نقص في السلع، أو ارتفاع في الأسعار، وهو ما شهدته الأسواق بالفعل خلال السنوات الماضية.
هذا الواقع يجعل فجوة تمويل التجارة عاملًا خفيًا لكنه مؤثر في موجات التضخم التي تضرب العديد من الاقتصادات، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
هل تلعب التوترات الجيوسياسية دورًا؟
بلا شك.
التوترات السياسية، والنزاعات المسلحة، والعقوبات الاقتصادية، كلها عوامل تزيد من حذر البنوك والمؤسسات المالية، وتدفعها لتقليص نشاطها في تمويل التجارة العابرة للحدود.
وفي بيئة عالمية تتسم بعدم الاستقرار، يصبح التمويل التجاري أحد أول الأنشطة التي تتأثر، لأنه يعتمد بشكل كبير على الثقة والاستقرار.
هل هناك حلول مطروحة؟
رغم تعقيد الأزمة، يرى خبراء أن الحلول ممكنة، لكنها تتطلب تحركًا منسقًا على عدة مستويات.
أحد هذه الحلول يتمثل في تعزيز دور المؤسسات التنموية الدولية، التي يمكنها تحمل جزء من المخاطر، وتشجيع البنوك على العودة لتمويل التجارة.
كما يُنظر إلى التكنولوجيا المالية كأداة واعدة لسد جزء من الفجوة، من خلال تقليل التكاليف، وتسريع الإجراءات، وتحسين تقييم المخاطر، خاصة عبر المنصات الرقمية وسلاسل الكتل.
إلى جانب ذلك، يدعو الخبراء إلى مراجعة بعض القواعد التنظيمية التي تعيق تمويل التجارة، دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار المالي.
ماذا يعني استمرار الفجوة؟
استمرار فجوة تمويل التجارة عند هذا المستوى يعني تباطؤًا أطول في النمو العالمي، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الضعيفة، واتساع الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية.
كما يعني أن أي صدمة جديدة، سواء اقتصادية أو سياسية، ستكون أكثر تأثيرًا، لأن النظام التجاري العالمي بات أقل مرونة وأضعف قدرة على امتصاص الأزمات.
قراءة في المستقبل
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار تمويل التجارة عالميًا.
فإما أن تنجح الدول والمؤسسات في ابتكار حلول تقلص الفجوة وتعيد الثقة إلى النظام التجاري، أو يستمر الوضع الحالي، مع ما يحمله من مخاطر على الاستقرار والنمو.
في النهاية، فجوة تمويل التجارة ليست مشكلة تقنية فحسب، بل قضية تنموية تمس حياة ملايين العاملين والشركات حول العالم، ومعالجتها أصبحت ضرورة لا خيارًا.








