تطورات النزاعات المسلحة .. قراءة عسكرية للمشهد الميداني المتغير

✍️ كتب: نور الدين خالد
تشهد النزاعات المسلحة حول العالم مرحلة جديدة تتسم بالتعقيد والتبدل السريع في موازين القوة، حيث لم تعد خطوط المواجهة ثابتة، ولا أدوات الصراع تقليدية كما كانت في السابق. ومع تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية، بات المشهد الميداني مفتوحًا على سيناريوهات متعددة يصعب حسمها في المدى القريب.
هذه القراءة العسكرية تحاول تفكيك ما يجري على الأرض، بعيدًا عن العناوين السياسية، مع التركيز على الواقع الميداني وتحركات القوى المتصارعة.
ملامح التحول في طبيعة الصراع
أبرز ما يميز النزاعات الحالية هو الانتقال من:
-
حروب الجبهات الواسعة
-
إلى اشتباكات مرنة ومتقطعة
-
تعتمد على الاستنزاف أكثر من الحسم السريع
لم يعد الهدف السيطرة الكاملة، بل إرباك الخصم، إنهاكه، وفرض معادلات جديدة بمرور الوقت.
تغيّر أدوات القتال
المشهد العسكري يشهد تحولًا واضحًا في الأدوات المستخدمة، أبرزها:
-
الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة
-
استخدام الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى
-
توظيف الحرب الإلكترونية والتشويش
-
دمج المعلومات الاستخباراتية بالضربات الميدانية
هذه الأدوات قلّصت زمن اتخاذ القرار، ورفعت من وتيرة العمليات بشكل ملحوظ.
المعركة بين الهجوم والدفاع
في كثير من الساحات، نلاحظ:
-
هجمات محدودة ذات أهداف تكتيكية
-
دفاعات متحركة بدل التحصينات الثابتة
-
إعادة انتشار مستمرة للقوات
هذا النمط يعكس إدراك الأطراف أن التمركز الطويل أصبح مكلفًا في ظل المراقبة الجوية المستمرة.
العامل الجغرافي وتأثيره
الجغرافيا تلعب دورًا حاسمًا في سير العمليات، سواء عبر:
-
مناطق حضرية معقدة
-
تضاريس جبلية تعيق التقدم
-
مساحات مفتوحة تُرجّح كفة القوة الجوية
اختيار ساحة الاشتباك بات جزءًا من الخطة القتالية وليس نتيجة عشوائية.
الجبهة الخلفية لا تقل أهمية
القراءة العسكرية لا تكتمل دون النظر إلى:
-
خطوط الإمداد
-
الجاهزية اللوجستية
-
الروح المعنوية
-
قدرة الأطراف على التعويض البشري والمادي
كثير من المعارك تُحسم خلف الخطوط الأمامية، لا في ساحات الاشتباك المباشر.
دور الفاعلين غير النظاميين
تصاعد حضور الجماعات غير النظامية غيّر شكل الصراع، حيث:
-
تعتمد على حرب العصابات
-
تستفيد من البيئة المحلية
-
تفرض كلفة عالية على الجيوش النظامية
هذا النمط يطيل أمد النزاعات ويجعل الحسم العسكري أكثر تعقيدًا.
التداخل الدولي وتأثيره على الميدان
رغم أن القتال يجري محليًا، إلا أن:
-
الدعم الخارجي
-
التسليح
-
المعلومات الاستخباراتية
تلعب دورًا مباشرًا في تغيير ميزان القوى، حتى دون تدخل عسكري مباشر.
هل يقترب الحسم؟
القراءة الميدانية تشير إلى أن:
-
معظم النزاعات تسير نحو إدارة الصراع لا إنهائه
-
الحل العسكري الكامل يبدو مستبعدًا في المدى القريب
-
التسويات السياسية غالبًا ما تنتظر إنهاك جميع الأطراف
ما يحدث هو إعادة رسم خطوط النفوذ أكثر من حسم نهائي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
السيناريوهات المحتملة تشمل:
-
استمرار التصعيد المحدود
-
جولات تهدئة مؤقتة
-
إعادة تموضع للقوى المتصارعة
-
فتح مسارات تفاوض غير معلنة
كل سيناريو مرتبط بتطورات ميدانية دقيقة قد تغيّر الحسابات بسرعة.
الخلاصة
تطورات النزاعات المسلحة اليوم تعكس عالمًا يعيش مرحلة عدم استقرار طويل الأمد، حيث تتداخل السياسة بالقوة، والتكنولوجيا بالميدان، والاستنزاف بالحسابات الاستراتيجية.
القراءة العسكرية للمشهد تؤكد أن المعارك لم تعد تُحسم بالسلاح وحده، بل بقدرة الأطراف على الصمود، التكيّف، وإدارة الصراع بذكاء في ظل مشهد متغير لا يعترف بالثبات.
في النهاية، من يفهم الميدان جيدًا، يفهم السياسة قبل أن تُعلَن.








