الإسلام المفيد

متى تجب وكيف تخرجها؟ دليلك الشامل لكفارة اليمين بالترتيب الصحيح كما وردت في الشرع

✍️ كتب: عبد الله حلمي

في حياة المسلم، قد يقسم على شيء بدافع التأكيد أو المنع أو التأكيد على فعل أو تركه، ثم يجد نفسه عاجزاً عن الوفاء بهذا القسم.

هنا يبرز مفهوم “كفارة اليمين” كمخرج شرعي رحيم من هذا المأزق، يحفظ للمسلم دينه وكرامته، ويجنبه الوقوع في الإثم.

 متى تجب كفارة اليمين؟

أقسام اليمين وتفصيلها:

1. اليمين المنعقدة (اليمين الغموس):
وهي التي يحلفها الشخص عالماً عامداً على شيء ماضٍ كاذباً، وهي من الكبائر ولا تكفرها الكفارة المذكورة، بل تحتاج إلى توبة نصوح.

2. اليمين اللغو:
وهي التي تخرج من الإنسان دون قصد الحلف، مثل أن يقول: “لا والله، وبلى والله” في حديث عادي دون نية القسم. هذه لا كفارة فيها كما قال تعالى: “لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ” (البقرة: 225).

3. اليمين المنعقدة التي تجب فيها الكفارة:
وهي التي يقصدها الشخص بالحلف على أمر مستقبل، ثم يحنث فيها (يخالفها). وهذا النوع هو موضوع كفارتنا.

حالات وجوب الكفارة:

  • الحنث في اليمين: أي مخالفة ما حلف عليه بعد القدرة على الوفاء.

  • الندم على اليمين: إذا حلف على ترك خير أو فعل شر ثم ندم وأراد الرجوع.

  • القدرة على الوفاء ثم العجز: إذا حلف على فعل شيء ثم صار غير قادر عليه.

مراتب كفارة اليمين كما وردت في القرآن

قال الله تعالى: “لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (المائدة: 89).

الترتيب الصحيح للكفارة:

المرتبة الأولى: إطعام عشرة مساكين

  • المقدار: نصف صاع (حوالي 1.5 كيلو) من قوت البلد لكل مسكين

  • أو إعطاؤهم وجبتين مشبعتين

  • أو دفع قيمة الطعام ليشتري به المسكين طعاماً

المرتبة الثانية: كسوة عشرة مساكين

  • كسوة تجزئ في الصلاة (قميص أو إزار ورداء)

  • أو دفع قيمة الكسوة

المرتبة الثالثة: تحرير رقبة

المرتبة الرابعة: صيام ثلاثة أيام

  • يشترط فيها التتابع عند كثير من العلماء

  • يصح تفريقها عند البعض الآخر

 التفاصيل العملية لإخراج الكفارة

1. كيفية إطعام المساكين:

الخيارات المتاحة:

  • طبخ طعام ودعوة عشرة مساكين

  • توزيع مواد غذائية تكفي لعشرة أسر فقيرة

  • دفع قيمة الطعام لجمعية خيرية موثوقة تتولى التوزيع

الشروط:

  • أن يكون الطعام من قوت البلد المعتاد

  • أن يكون المساكين من الفقراء المحتاجين

  • لا يشترط أن يكونوا مسلمين عند معظم العلماء

2. كيفية كسوة المساكين:

المقادير المقبولة:

3. كيفية الصيام:

الشروط:

  • النية من الليل

  • التتابع (عند الجمهور)

  • الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس

  • يجوز صيام أيام متفرقة عند الحنفية وبعض العلماء

 مسائل فقهية هامة

1. التخيير والترتيب:

جمهور العلماء على أن الكفارة مرتبة (على الترتيب الوارد في الآية)، بينما يرى الحنفية أنها مخيرة.

2. إذا عجز عن المرتبة الأولى:

ينتقل إلى التي تليها، وهكذا.

3. تكرار الحنث في يمين واحدة:

إذا حنث في اليمين ثم عاد وحنث فيها مرة أخرى، فالكفارة واحدة عند الجمهور.

4. اليمين على أمر محرم:

إذا حلف على فعل معصية، يجب الحنث ولا كفارة فيه، بل تجب التوبة.

5. اليمين بالله فقط أم بغيره؟

أكثر العلماء على أن اليمين التي تجب فيها الكفارة هي الحلف بالله أو بصفة من صفاته.

 أسئلة شائعة عن كفارة اليمين

س: إذا حلفت على شيء ثم نسيت، فما الحكم؟
ج: إذا حلفت ثم نسيت وحنثت دون قصد، فلا كفارة عليك.

س: هل يجوز إخراج الكفارة نقداً؟
ج: اختلف العلماء، والأحوط إخراجها عيناً (طعاماً أو كسوة)، إلا عند الحاجة.

س: من هم المساكين الذين تستحق لهم الكفارة؟
ج: هم الفقراء الذين لا يجدون كفايتهم، ولو كانوا من الأقارب.

س: هل تجب الكفارة على المرأة كما تجب على الرجل؟
ج: نعم، بالتساوي في الوجوب والشروط.

س: كم مقدار الصاع المقدر للإطعام؟
ج: الصاع النبوي يساوي حوالي 3 كيلوغرامات، فيكون نصف صاع حوالي 1.5 كيلو.

 نصائح عملية لإخراج الكفارة

  1. البحث عن المستحقين الحقيقيين: تأكد من حاجة من تدفع له الكفارة.

  2. التعاون مع الجمعيات الخيرية: خصوصاً إن صعب عليك الوصول للمساكين.

  3. المبادرة بالإخراج: لا تؤجل كفارة اليمين، فأداؤها واجب فوري.

  4. النية الخالصة: اجعل إخراج الكفارة لله تعالى لا للرياء.

  5. التعلم من التجربة: بعد أداء الكفارة، احرص على حفظ لسانك من كثرة الحلف.

 الكفارة رحمة لا عقوبة

كفارة اليمين ليست عقوبة للمسلم، بل هي رحمة من الله تعالى لتخفيف الحرج وتكفير الذنب. وهي تدل على سماحة الإسلام ومرونته في التعامل مع طبيعة البشر الذين قد يقعون في الحلف ثم يعجزون عن الوفاء.

الأولى بالمسلم أن يحفظ يمينه ولا يكثر من الحلف، فإن ذلك أقرب للتقوى وأبعد عن الحرج. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب” (رواه مسلم).

فليحذر المسلم من الحلف الكاذب، وليتق الله في الأيمان الصادقة، فإن عجز عن الوفاء فليبادر إلى الكفارة الشرعية، ليخرج من إثمه، ويرضي ربه، ويعود إلى الصراط المستقيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى