البحري اليوم

قناة السويس وعبور ناقلات النفط وأثره على أسواق الطاقة

✍️ كتب: شهد عادل

 في عالم يترنح بين أزمات الطاقة وتوترات جيوسياسية متصاعدة، تُبرز قناة السويس نفسها ليس فقط كممر مائي حيوي، بل كـ “قلب نابض” يضخ الدم في شرايين الاقتصاد العالمي.

تخيلوا معي، أن قرابة 10% من إمدادات النفط العالمية، وأكثر من 8% من الغاز المسال، تعبر هذا الشريان الضيق يوميًا، محملة بآمال وطموحات مليارات البشر.

إنها ليست مجرد أرقام، بل هي وقود المصانع التي تمدنا بمنتجاتنا اليومية، وهي الطاقة التي تُدفئ منازلنا في أقسى فصول الشتاء، وهي الشرارة التي تدفع عجلة النمو في كل قارة.

فكيف ترسم قناة السويس، بقدرتها الهائلة على التحكم في تدفق الطاقة، خارطة أسعار النفط والغاز، وتؤثر على جيوبنا ومستقبلنا بحلول عام 2026؟ وما هي الكواليس الخفية التي تجعلها “ورقة المساومة” الأقوى في يد الاقتصاد المصري والعالمي؟ استعدوا لرحلة عميقة تكشف الأسرار.


قناة السويس: من “مجرى مائي” إلى “نقطة ارتكاز” عالمية

منذ افتتاحها عام 1869، والقناة ليست مجرد طريق مختصر، بل هي أيقونة للعبقرية الهندسية ومفترق طرق حضاري وتجاري. لكن في القرن الحادي والعشرين، تحول دورها ليصبح أكثر استراتيجية وتعقيدًا، خاصة في قطاع الطاقة. في عام 2026، ومع تصاعد حدة التنافس على الموارد، أصبحت القناة هي “المركز العصبي” الذي يربط منتجي الطاقة في الشرق بمستهلكيها المتعطشين في الغرب.

تُشير التقديرات الحديثة إلى أن حوالي 1.7 مليون برميل نفط خام ومنتجات بترولية مكررة تعبر القناة يوميًا في المتوسط، وهو ما يمثل نسبة تتجاوز الـ 10% من حجم التجارة العالمية للنفط. هذا الرقم وحده كافٍ ليوضح مدى حساسية الأسواق تجاه أي اضطراب في هذا الممر.

**

الدوامة الاقتصادية: لماذا كل هذا الهوس بناقلات النفط؟

السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: لماذا تظل قناة السويس الخيار الأول والأكثر إلحاحًا لشركات الطاقة العملاقة، حتى مع وجود طرق بديلة ومخاطر جيوسياسية محتملة؟ الإجابة تكمن في معادلة اقتصادية بحتة: “الوقت = المال”.

لنأخذ مثالاً ملموساً: ناقلة نفط عملاقة (VLCC) تحمل مليوني برميل من النفط الخام من ميناء “راس تنورة” في السعودية إلى “روتردام” في هولندا.

  • عبر قناة السويس: تستغرق الرحلة حوالي 19 إلى 22 يومًا، حسب سرعة الناقلة والازدحام.

  • عبر رأس الرجاء الصالح: تقفز المدة إلى ما يقارب 35 إلى 40 يومًا.

هذا الفارق الزمني الشاسع، الذي يتراوح بين 13 إلى 18 يومًا إضافيًا، لا يمثل مجرد تأخير على الخريطة، بل يترجم إلى خسائر مالية فادحة:

  1. تكاليف الوقود: ناقلة النفط تستهلك ما بين 70 إلى 100 طن من الوقود الثقيل يوميًا، بتكلفة تتجاوز الـ 40 ألف دولار يوميًا في عام 2026، مما يعني تكاليف وقود إضافية تتجاوز الـ 500 ألف دولار للرحلة الواحدة.

  2. أجور الطواقم والتأمين: تضاف عليها أجور الطواقم لأسابيع إضافية، وتكاليف تأمين أعلى على السفينة والشحنة لمسافات أطول وعبر مناطق بحرية قد تكون أقل أمانًا.

  3. تكلفة الفرصة الضائعة: النفط المحمل في الناقلة هو “رأس مال سائل”. كل يوم تأخير يعني خسارة فرص بيع النفط بأسعار أفضل، أو تأخر تلبية عقود آجلة، مما قد يؤدي إلى غرامات باهظة.

  4. التأثير البيئي: الرحلات الأطول تزيد من الانبعاثات الكربونية بشكل كبير، وهو ما يتعارض مع اللوائح البيئية الصارمة التي تفرضها المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي على شركات الشحن في 2026، والتي تفرض ضرائب على الانبعاثات.

عندما تتأخر ناقلة: كيف يرتفع سعر برميل برنت؟

تخيل سيناريو بسيطاً: تتأخر عدة ناقلات نفط في القناة لظرف طارئ – لا قدر الله – لمدة أسبوع. ما الذي سيحدث؟

  • تقليص المعروض: فورًا، يقل المعروض المتوفر من النفط في الأسواق الأوروبية والأمريكية، لأن الشحنات ستصل متأخرة.

  • علاوة المخاطر: تجار النفط في البورصات يضيفون “علاوة مخاطر” إلى سعر البرميل، متوقعين شحًا في الإمدادات.

  • المضاربات: يبدأ المضاربون في شراء العقود الآجلة للنفط، مما يزيد من الضغط التصاعدي على الأسعار.

  • النتيجة المباشرة: يرتفع سعر برميل برنت أو الخام الأمريكي في غضون ساعات قليلة، وربما يتجاوز الارتفاع عدة دولارات للبرميل الواحد، وهذا ينعكس مباشرة على أسعار الوقود في المحطات.

هذا السيناريو ليس نظريًا، ففي عام 2021، أظهر حادث جنوح سفينة “إيفر غيفن” أن تعطل القناة ليوم واحد كان يكلف التجارة العالمية حوالي 10 مليارات دولار، وارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 6% في أيام معدودة. في عام 2026، ومع تنامي الطلب العالمي على الطاقة، قد تكون هذه الخسائر والارتفاعات أكثر حدة.

**

الغاز المسال: صراع أوروبا على الطاقة عبر السويس

لم يعد النفط وحده هو سيد الموقف. فقد برز الغاز الطبيعي المسال (LNG) كلاعب استراتيجي رئيسي، خاصة بعد الأزمة الأوكرانية وسعي أوروبا المحموم لفك ارتباطها عن الغاز الروسي. أصبحت قناة السويس هي “الطريق الذهبي” لشحنات الغاز المسال القادمة من قطر، الإمارات، والولايات المتحدة المتجهة إلى محطات الإسالة في أوروبا.

مع تزايد القدرة التصديرية للغاز المسال من منطقة الخليج، تتوقع هيئة قناة السويس نموًا كبيرًا في حركة عبور ناقلات الغاز المسال بحلول عام 2026. كل ناقلة غاز مسال تمر عبر القناة هي ضمانة إضافية لأمن الطاقة الأوروبي، وانخفاض أسعار التدفئة في الشتاء، واستقرار المصانع التي تعتمد على الغاز كمصدر رئيسي للطاقة.

**

الاستراتيجية المصرية: القناة ليست مجرد مجرى، بل “قاطرة للتنمية”

تدرك الحكومة المصرية جيداً الأهمية الاستراتيجية لقناتها، ولذا لم تتوقف جهود التطوير والتحديث. فبعد مشروع “قناة السويس الجديدة” الذي عزز من قدرة القناة على استيعاب عدد أكبر من السفن وتخفيض زمن العبور، تواصل الهيئة استثماراتها في:

  • تعميق المجرى الملاحي: لتمكين أجيال جديدة من الناقلات العملاقة (ULCC) من العبور بحمولات كاملة دون الحاجة لتفريغ جزء من حمولتها قبل العبور.

  • المرافق اللوجستية: تطوير مناطق صناعية ولوجستية على جانبي القناة لتقديم خدمات تموين وصيانة السفن، مما يضيف قيمة اقتصادية تتجاوز رسوم العبور.

  • التحول الأخضر: إطلاق مبادرة “القناة الخضراء” في 2025 لتقديم حوافز للسفن الصديقة للبيئة والتي تستخدم الوقود النظيف أو الغاز الطبيعي المسال، مما يجعل القناة وجهة مفضلة لشركات الشحن التي تلتزم بمعايير الاستدامة العالمية.

هذه الاستراتيجية المتكاملة تهدف إلى تحويل القناة من مجرد ممر إلى “منظومة اقتصادية متكاملة” تساهم في تحقيق رؤية مصر 2030 وتزيد من تنافسيتها العالمية.

**

المخاطر الجيوسياسية: تحديات تحت المجهر في 2026

لا يمكننا الحديث عن قناة السويس دون الإشارة إلى التحديات الجيوسياسية المحيطة بها. التوترات في البحر الأحمر، والتهديدات الأمنية المحتملة في المنطقة، تظل هاجسًا لشركات الشحن. ففي نهاية عام 2024، شهدت المنطقة ارتفاعاً في علاوات التأمين على السفن بنسبة 200% في بعض الأحيان، مما دفع ببعض الخطوط الملاحية للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

إلا أن عام 2026 يُتوقع أن يشهد تحسناً نسبياً في الأوضاع الأمنية، بفضل الجهود الإقليمية والدولية لتأمين الممرات الملاحية. ورغم ذلك، تظل قناة السويس هي “البوصلة” التي يراقبها الجميع، فاستقرارها يعني استقرار أسعار النفط والغاز، وأي اضطراب فيها يُشعل فتيل القلق في أسواق الطاقة العالمية.

**

إيرادات قياسية وتأثير عابر للحدود

تستهدف هيئة قناة السويس تحقيق إيرادات تقارب 10 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2028، مدعومة بزيادة حركة العبور وتنويع الخدمات. هذه الإيرادات ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة المصرية، بل هي:

  • دعم للاقتصاد المصري: تُساهم في توفير العملة الصعبة وتدعم مشاريع التنمية والبنية التحتية.

  • استقرار عالمي: تُوفر قناة السويس مسارًا موثوقًا للطاقة، مما يُقلل من تقلبات الأسعار العالمية ويُساهم في استقرار الأسواق.

  • تعزيز الثقة: استمرار تشغيل القناة بكفاءة يُعزز ثقة الشركات العالمية في سلاسل الإمداد، ويُشجع على الاستثمار.

كل ناقلة نفط أو غاز تعبر القناة اليوم هي رسالة واضحة للعالم: “القلب النابض للطاقة لا يزال يعمل بكامل طاقته”.

الخاتمة: شريان الحياة الذي لا ينام

في النهاية، يمكننا القول إن قناة السويس هي أكثر من مجرد معلم جغرافي؛ إنها “دينامو” يحرك الاقتصاد العالمي، و”ترمومتر” يقيس حرارة أسواق الطاقة. إن عبور ناقلات النفط والغاز عبر مياهها ليس مجرد حدث يومي عابر، بل هو فعل ذو أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة.

في عام 2026، ومع استمرار التحديات العالمية، ستظل القناة هي الضمانة الأقوى لتدفق الطاقة، وهي الشاهد الأبرز على أن مصر لا تزال تحكم جزءًا كبيرًا من مصير أسواق الطاقة العالمية. فما دامت هذه المياه تتدفق، فإن عجلة العالم ستظل تدور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى