طوفان الأقصى

محطات النزاع بين لبنان وإسرائيل: صراع طويل منذ 1948

✍️ كتب: الرفاعي عيد

منذ أكثر من سبعة عقود، لا يزال اسم الحدود الجنوبية للبنان حاضرًا كلما اشتعلت منطقة الشرق الأوسط. ليس لأن الجغرافيا عنيدة فقط، بل لأن التاريخ هناك لم يُغلق صفحته يومًا.


هذا ليس نزاعًا عابرًا، ولا مواجهة موسمية، بل صراع مركب تشكّل من الحروب العربية الإسرائيلية، والقضية الفلسطينية، وتوازنات الإقليم، وتحولات الداخل اللبناني، ليصبح واحدًا من أطول وأعقد النزاعات في المنطقة.

هذا المقال التفصيلي من المفيد نيوز يأخذك في رحلة زمنية دقيقة، ترصد محطات النزاع بين لبنان وإسرائيل منذ 1948، وتشرح جذوره، وتحولاته، وأسبابه، ونتائجه، ولماذا لا يزال مفتوحًا حتى اليوم.


الجذور الأولى للنزاع بعد 1948

مع إعلان قيام إسرائيل عام 1948، واندلاع الحرب العربية الإسرائيلية الأولى، وجد لبنان نفسه جزءًا من مشهد إقليمي أكبر من قدراته العسكرية والسياسية آنذاك.
رغم أن الدور العسكري اللبناني في حرب 1948 كان محدودًا مقارنة بدول عربية أخرى، إلا أن النتائج غير المباشرة للحرب كانت عميقة:

  • تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى جنوب لبنان

  • تغيّر ديموغرافي حساس في مناطق حدودية

  • تحوّل الجنوب اللبناني إلى مساحة تماس دائمة مع إسرائيل

منذ تلك اللحظة، لم يعد لبنان بعيدًا عن الصراع العربي الإسرائيلي، حتى وإن حاول رسميًا النأي بنفسه.


الجنوب اللبناني… ساحة مفتوحة بعد النكبة

بعد النكبة، أصبحت القرى الجنوبية اللبنانية ملاصقة لخط تماس غير مستقر.
عمليات تسلل، اشتباكات متفرقة، قصف محدود، وردود فعل متبادلة، صنعت حالة توتر مزمنة.

في هذه المرحلة:

  • لم تكن الدولة اللبنانية قادرة على فرض سيطرة كاملة على الجنوب

  • الحدود كانت رخوة وغير محصنة

  • السكان المدنيون كانوا أول من يدفع الثمن

وهنا بدأت إسرائيل تتعامل مع جنوب لبنان باعتباره عمقًا أمنيًا محتملاً لأي تهديد مستقبلي.


صعود العمل الفدائي الفلسطيني وتأثيره على لبنان

مع صعود المقاومة الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي، خاصة بعد هزيمة 1967، أصبح لبنان أحد أهم قواعد العمل الفدائي ضد إسرائيل.
وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة داخل المخيمات وفي الجنوب أدخل لبنان في قلب المواجهة.

أبرز النتائج:

  • تصاعد الغارات الإسرائيلية على القرى اللبنانية

  • تحميل لبنان مسؤولية أي عملية تنطلق من أراضيه

  • اهتزاز التوازن الداخلي اللبناني

اتفاق القاهرة عام 1969 شرعن الوجود المسلح الفلسطيني داخل لبنان، لكنه في المقابل فتح الباب أمام مرحلة شديدة التعقيد.


الحرب الأهلية اللبنانية وتدويل الصراع

اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 غيّر قواعد اللعبة بالكامل.
تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لكل اللاعبين: فصائل فلسطينية، قوى لبنانية، سوريا، ثم إسرائيل.

إسرائيل رأت في الفوضى اللبنانية فرصة استراتيجية:

  • ضرب الوجود الفلسطيني

  • خلق حزام أمني في الجنوب

  • دعم قوى محلية متحالفة معها

وهكذا بدأ التدخل الإسرائيلي المباشر يتوسع.


الاجتياح الإسرائيلي الأول 1978

في عام 1978، نفذت إسرائيل عملية عسكرية واسعة عُرفت بـ«عملية الليطاني»، بحجة وقف الهجمات الفلسطينية.
دخلت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، واحتلت عشرات القرى.

النتائج كانت خطيرة:

  • نزوح آلاف المدنيين

  • إنشاء ميليشيات متعاونة مع إسرائيل

  • تدخل الأمم المتحدة وإنشاء قوات اليونيفيل

لكن الاحتلال لم يكن مؤقتًا كما قيل.


اجتياح 1982: نقطة التحول الكبرى

عام 1982 شكّل علامة فارقة في تاريخ النزاع.
إسرائيل شنّت اجتياحًا شاملًا وصل إلى بيروت، في أكبر عملية عسكرية لها خارج أراضيها.

الأهداف المعلنة:

  • إخراج منظمة التحرير الفلسطينية

  • فرض واقع سياسي جديد في لبنان

لكن النتائج كانت أعقد:

  • خروج منظمة التحرير من لبنان

  • مجازر صبرا وشاتيلا

  • تصاعد الغضب الشعبي

  • ولادة مقاومة جديدة

من رحم هذا الاجتياح، بدأ تشكّل مسار مختلف تمامًا.


ظهور حزب الله وتغير معادلة الصراع

في منتصف الثمانينيات، ظهر حزب الله كقوة مقاومة منظمة، مدعومة إقليميًا، ومرتكزة على خطاب ديني وسياسي مختلف.
هنا تغيّر شكل النزاع جذريًا:

  • من مواجهة تقليدية إلى حرب استنزاف

  • من حدود مفتوحة إلى معادلات ردع

  • من فصائل متعددة إلى لاعب رئيسي واحد

إسرائيل وجدت نفسها في مستنقع طويل الأمد جنوب لبنان.


الاحتلال الإسرائيلي للجنوب (1985–2000)

استمر الاحتلال الإسرائيلي لجزء من جنوب لبنان نحو 15 عامًا.
خلال هذه الفترة:

  • عمليات مقاومة شبه يومية

  • خسائر بشرية متزايدة في صفوف الجيش الإسرائيلي

  • تآكل الدعم الداخلي داخل إسرائيل

الجنوب اللبناني أصبح عنوانًا دائمًا للمواجهة.


الانسحاب الإسرائيلي عام 2000

في مايو 2000، أعلنت إسرائيل انسحابها الأحادي من جنوب لبنان.
الحدث اعتُبر:

  • أول انسحاب إسرائيلي دون اتفاق سلام

  • انتصارًا للمقاومة

  • بداية مرحلة جديدة من الردع المتبادل

لكن الانسحاب لم يُنهِ النزاع.


حرب تموز 2006: الانفجار الكبير

في يوليو 2006، اندلعت حرب شاملة استمرت 33 يومًا.
القصف الإسرائيلي دمّر بنية تحتية واسعة في لبنان، بينما واجه الجيش الإسرائيلي مقاومة غير متوقعة.

النتائج:

  • دمار هائل في لبنان

  • فشل إسرائيلي في تحقيق أهدافه العسكرية

  • ترسيخ معادلة الردع

  • تدخل دولي جديد عبر القرار 1701

منذ تلك الحرب، تغيّر ميزان الاشتباك.


مرحلة ما بعد 2006: لا حرب ولا سلام

منذ 2006 وحتى اليوم، يسود نمط خاص من النزاع:

  • اشتباكات محدودة

  • تهديدات متبادلة

  • حروب بالوكالة

  • رسائل نارية محسوبة

الحدود الجنوبية أصبحت واحدة من أكثر الجبهات مراقبة في العالم.


تأثير النزاع على الداخل اللبناني

الصراع مع إسرائيل لم يكن خارجيًا فقط، بل ترك أثرًا عميقًا داخل لبنان:

  • انقسام سياسي حول السلاح والمقاومة

  • أعباء اقتصادية هائلة

  • تهديد دائم للاستقرار

  • ربط مصير لبنان بتوازنات إقليمية

كل تصعيد على الحدود ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني الهش.


البعد الإقليمي والدولي للنزاع

لا يمكن فهم النزاع اللبناني الإسرائيلي بمعزل عن:

لبنان أصبح حلقة ضمن سلسلة صراعات أكبر، يتجاوز حجمه الجغرافي بكثير.


لماذا لم ينتهِ النزاع حتى الآن؟

لأن أسبابه لم تُحل:

  • لا سلام شامل في المنطقة

  • لا حل عادل للقضية الفلسطينية

  • لا اتفاق حدودي نهائي

  • لا توافق داخلي لبناني كامل

النزاع ليس حادثًا، بل نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية وأمنية.


هل يتجه الصراع إلى مواجهة جديدة؟

السؤال حاضر دائمًا.
التصعيد ممكن، لكن الحرب الشاملة مكلفة للجميع.
المنطقة تعيش على حافة اشتعال دائم، حيث الخطأ الصغير قد يقود إلى مواجهة كبرى.


الخلاصة

«محطات النزاع بين لبنان وإسرائيل» ليست مجرد تواريخ عسكرية، بل قصة منطقة لم تعرف الاستقرار الكامل منذ 1948.
صراع تشابكت فيه الحدود بالهوية، والسياسة بالأمن، والمقاومة بالدولة، ليبقى واحدًا من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى